
في زمنٍ ما كانت الأشياء الصغيرة تصنع دهشةَ الحياة، لم تكن الأيام تركض بهذه السرعة ولم تكن الأرواح مثقلة بكل هذا الضجيج.
كان الإنسان يجد سعادته في تفاصيل عابرة في صوت الباب الخشبي عند الفجر وفي رائحة الخبز الساخن، وفي قطرة ماء تتسلل من جرة فخارية باردة فتمنح القلب طمأنينةً لا تُشترى.
ومن بين تلك التفاصيل تلمع في خاطري “جرّة أمّ علي” جارةُ المدرسة
القديمة.
كانت صورتها تسكن الصباح كما يسكن الضوء أطرافَ النوافذ، كنا نعبر أمام بيتها كل يوم فنشعر أن الطريق يبطئ خطاه احترامًا لذلك الجمال الهادئ الذي يحيط بالمكان.
كان بيتها صغيرًا لكنه كان يبدو في أعيننا كحديقة من الحنان، الأزهار تحيط به من كل جانب تتمايل مع نسيم الفجر كأنها تعرف أسماءنا وتحيّينا كلَّ صباح، أما ساحة البيت المصنوعة من الباطون القديم فكانت تلمع دائمًا من شدّة النظافة تحت أعمدة البيت، كانت الجرة موضوعةً في مكانٍ مرتفع عن الأرض تستند الى طبليّةٍ خشبية ومغطاةً بلباس من الخيش، كأنه فستان صُنع خصيصاً لها ليحافظ على برودة الماء.
أما الكيلة (الركوة) فكانت من الألمنيوم معلّقة بأذن الجرّة تنتظر يدًا عطشى تمتد إليها.
كانت تملؤها كلَّ صباح بالماء البارد الصافي تفوح منها رائحةُ أوراق الليمون، وكان الناس يقولون للفخار فوائد كثيرة، فهو ينقي الماء ويخفف ملوحته ويحافظ على برودته الطبيعية.
ولم تكن الرحمة تقتصر على البشر فقط فعلى طرف الشارع، كان هناك جُرنٌ من حجر البازلت مربّع الشكل، تتوسطه دائرةٌ محفورة بعناية مملوءة بالماء ليشرب منه العابرون من مخلوقات الله – القطط، والكلاب وحتى الطيور التي تهبط من السماء لترتوي من الماء العذب.
كان الماءُ يومها لغةَ رحمة يفهمها الجميع، لا أحدٌ يسأل لمن هذا الماء؟ ولا من يستحقه، فالعطش وحده كان كافيًا ليمنحَ الكائن حقه في الحياة.
لكن الأيام تغيّرت، واختلفت معها ملامح الرحمة أيضًا، أصبحت القطط تُربّى داخل البيوت ثم تُترك أحيانًا وحيدةً خلف الأبواب المغلقة، وبات البعض يخشون تكاثرها فتُجرى لها العمليات لتُحرم من أمومتها، وكأن الإنسان صار يتحكم بكل شيء حتى بغريزة الحياة.
وفي يومٍ حزين ربّت إحدى العائلات قطةً في منزلها، ثم سافرت الى خارج البلاد وتركتها وحيدة فوق سطح البيت مع القليل من الماء والطعام. مرّت الأيام فنفذ الماء وانتهى الطعام، وبدأ جسد القطة يذبل شيئًا فشيئا، لم تعد تملك القوة لتقف، ولا القدرة لتصطاد ما يسد جوعها، ارتمت على الأرض منهكة تنتظر مصيرها بصمت، ومن بعيد كان غُرابٌ يُراقبها رأى ضعفها وعجزها ووحدتها، فطار يبحث بين الأزقّة والأسطح عن فُتات خبز أو قطرات ماء.
كان يعود كل مرّة يحمل بمنقاره قطعة خبز، ومرّة أُخرى يحمل رشفة ماء يقترب منها بحذر ثم يتركها قربها ويرحل.
يوماً بعد يوم بدأت القطة تستعيد قواها وتفتح عينيها ببطء للحياة من جديد. وبعد عدّة أيام اختفت القطة، لكن الغُراب ظلَّ يعود الى المكان نفسه يحمل الخبز والماء وينتظر وكأنه ما زال يُؤمن بأنها ستعود.
يا الله ما أعجب الرحمة حين تسكن قلب مخلوقٍ لا يتكلم، بينما تغيب أحيانًا عن قلوب البشر.
رحلت جرة إمّ علي واختفى جُرن البازلت من أطراف الطرقات، لكن الحكاية بقيت.
بقيت لتقول لنا إنّ الرحمة لم تكن يومًا في كثرة الأشياء، بل في القلوب التي كانت تعرف معنى الرحمة والعطش، ومعنى أن تمد يدك أو جناحك لكائن ضعيف دون مقابل، فمهما تطورت الحياة ومهما ازدادت وسائل الراحة سيبقى العالم محتاجًا الى قلبٍ يشبه إمّ علي والى غُرابٍ صغير علّم البشر معنى الوفاء والرحمة.
أما “ماراثون المياه” في البلاد التي تشتعل فيها الحروب، فهناك حكاية أُخرى موجعة لا تشبه دفئ جرّة إم علي.
هناك يضطر الأطفال إلى قطع مسافات طويلة وهم يحملون أوعية ثقيلة ومتّسخة بحثًا عن قطرات ماء قد تكون غير صالحة للشرب، تحمل أمراضاً أكثر مما تمنح حياة، بسبب التلوث وحرارة الصهاريج تحت أشعة الشمس الحارقة.
يقفون ساعاتٍ طويلة في طوابير العطش بأقدامٍ صغيرة أنهكها التعب
وعيون كان من المفترض أن تكون في الصفوف المدرسية، أو تركض في الساحات خلف لعبةٍ بريئة، لا أن تطارد الماء كلَّ يوم وكأنه حلم بعيد.
هناك أصبحت الطفولة مؤجلة واللعبُ رفاهية، والماءُ معركةَ بقاء.
فأين الرحمة؟
أين ذلك القلب الذي كان يضع جرّة الماء على باب الدار للعابرين؟
أين ذلك الإحساس الذي جعل غُرابًا يُطعم قطةً جائعة، بينما يعجز البشر أحيانًا عن إنقاذ أطفالٍ عطشى؟
ربما لم يكن الماضي أجمل لأن الحياة كانت أسهل، بل لأن الرحمة كانت أكبر، والقلوب تعرف أن الماء حقٌ لكل روح.
وسيظل العالم ناقصًا مهما تقدّم وتطور، ما دام طفلٌ يحمل وعاء الماء بدل حقيبته المدرسية، وما دام العطش يسرق من الأبرياء أعمارهم البريئة.
قلم ازدهار عبد الحليم كيلاني



