ديكتاتورية العزلة: كيف يصنع العقل واقعاً موازياً للريادة؟
بقلم: المستشارة الدكتورة آمنة الريسي

يسعى الإنسان بطبعه إلى تعزيز شعوره بالذات، مدفوعاً برغبة فطرية في أن يكون موضع تقدير وقبول من محيطه. إلا أن التصادم مع الواقع غالباً ما يكشف فجوة بين الصورة الذهنية التي يرسمها الفرد لنفسه وبين الحقيقة الموضوعية.
فالتنشئة الاجتماعية، وتجارب الطفولة والمراهقة، والإرث العائلي، والنسق الثقافي الذي ينتمي إليه الفرد؛ كلها عوامل تتضافر لتشكل “هوية” قد تنطوي على صراعات دفينة أو ندوب نفسية. ولأن الفرد قد يجد صعوبة في تفكيك هذه الشبكة المعقدة التي صاغت تكوينه، فإنه يلجأ أحياناً إلى آلية دفاعية تتمثل في “الهروب الاستباقي” نحو واقع بديل أو “وهمي” يُشبع من خلاله احتياجاته النفسية، ليعيش متقمصاً دوراً لا يمت للواقع بصلة.
ومع ذلك، تظل سياقات الحياة الاجتماعية، الأسرية، والسياسية تفرض سطوتها، مُعيدةً الفرد إلى مواجهة الحقيقة التي يحاول جاهداً الفرار منها. وهنا يبرز التساؤل الجوهري: إلى أين يتجه هذا الهروب؟
غالباً ما يجد هؤلاء الأفراد ملاذهم في “الغرف المغلقة”—سواء كانت مكتباً، حيزاً خاصاً داخل المنزل، أو العالم الافتراضي خلف شاشات الحاسوب—حيث يمارسون طقوساً ذهنية توهمهم بالتفوق، والريادة، والتميز النوعي، معزولين عن موازين التقييم الحقيقية.
ولكن، إلى متى يمكن استدامة هذا الهروب؟
من منظور تحليلي، أعتقد أن هذا البناء النفسي الهش لا يلبث أن ينهار عند تعرض الفرد لحدث صادم يلامس أعمق نقاط ضعفه ومخاوفه الدفينة. هذا “الاصطدام بالحقيقة” هو الكفيل بكسر حدة الوهم، وإجبار الفرد على الاستيقاظ من عزلته، ليعيد قراءة واقعه الحقيقي بموضوعية، بعيداً عن جدران الغرفة المغلقة التي حبس فيها ذاته.



