
قال القرطبي: وقل لهما قولاً كريماً. أي ليناً لطيفاً مثل: يا أبتاه ويا أماه من غير أن يسميهما ويكنيهما، قال عطاء: وقال ابن البداح التجيبي قلت لسعيد بن المسيب: كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله: وقل لهما قولاً كريماً. ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ.
فلزاماً أن نحسن إلى الوالدين في الحياة وبعد الممات، فماذا نقدم لهما بعد الممات؟
هذه بعض سبل الخير وأعمال البر والصلاح التي يصل ثوابها بإذن الله إلى الوالدين، فيرفع الله بها الدرجات ويحط بها عنهما الخطيئات ويسكنهما فسيح الجنات:
1. ترك النياحة عليهما:
أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري – رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة”. والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب، ثم إن النياحة تدخل الشياطين البيوت، أخرج مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما مات أبو سلمة قالت: “غريب وفي أرض غربة، لأبكينه بكاء يتحدث عنه، فكنتُ قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله وقال: أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتاً أخرجه الله منه؟! مرتين، فكففت عن البكاء فلم أبك”.
وأخرج البخاري ومسلم من حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: “أخذ علينا النبي عند البيعة ألا ننوح، فما وقت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتين أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى”.
وكذلك مما حذر فالميت يُعذب بنياحة أهله عليه خاصة إذا كان النوح من سنته وكان طريقة له قبل مماته، ففي الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه» رواه البخاري ومسلم، أما مجرد البكاء مع دمع العين وحزن القلب فلا جناح على من صدر منه ذلك، ومن الأدلة على هذا ما أخرجه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله على أبي سيف القين «القين هو الحداد» وكان ظئراً هو زوج المرضعة «لإبراهيم ابن رسول الله عليه السلام» فأخذ رسول الله إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأنت يا رسول الله؟ فقال يا ابن عوف، إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال رسول الله: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
2. وأحسن غسل ميتك:
واتبع فيه سنة رسول الله من البدء بالميامن ومواضع الوضوء وإيتار الغسلات واستعمال السدر في الغسلات الأولى والكافور في الغسلة الأخيرة، وإن لم يكن بالامكان إستعمال السدر والكافور فاستعمل ما يقوم مقامهما وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم من طريق أيوب عن محمد بن سيرين عن أم عطية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته، فقال: «غسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً، فإذا فرغتن فأذنني»، فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه «هو موضع الإزار» ومنه قول النبي في وصف الناس وأحوالهم يوم القيامة.. ومنهم من يكون العرق إلى حقويه، وأطلق الحقو هنا على الإزار مجازاً فقال: «أشعرنها إياه» أي اجعلنه شعارها وهو الثوب الذي يلي الجسد، أي ألففنها. فقال أيوب: وحدثتني حفصة بمثل حديث محمد، وكان في حديث حفصة «اغسلنها وتراً» وكان فيه: «ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً». وكان فيه أنه قال: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها». وكان فيه أم عطية قالت: «ومشطناها ثلاثة قرون».
إعداد الشيخ صلاح الدالي

عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت




