خواطر

سورة الإسراء: ملامح المنهج القرآني لبناء الإنسان والمجتمع

بقلم:أ.د. عبد الحفيظ الندوي

​تمثل سورة الإسراء في جوهرها دستوراً أخلاقياً ومنهاجاً حياتياً متكاملاً، يرتقي بالنفس البشرية من ضيق الماديات إلى رحاب القيم الربانية. وهي سورةٌ تفيض بجلال التسبيح في مطلعها، وعظمة الحمد في ختامها، وما بينهما يمتد جسرٌ من التوجيهات التي تضبط إيقاع حياة الفرد وتماسك المجتمع.
​تستهل السورة هداياتها بتحديد البوصلة الكبرى؛ فالقرآن ليس مجرد كتاب يُتلى، بل هو هادٍ للتي هي أقوم في شتى شؤون الحياة: “إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ” (الإسراء: 9). ومن هذه القاعدة، تنطلق الآيات لترتيب الأولويات الإنسانية، فتبدأ بالحق المطلق للخالق في التوحيد، وتثني بأقدس الروابط البشرية وهي بر الوالدين: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا” (الإسراء: 23). إن هذا الربط العميق يؤكد أن الإيمان الصادق لا ينفصل عن الرحمة والوفاء، وأن كرامة الإنسان تبدأ من تقدير من كانوا سبباً في وجوده ورعايته.
​وفي سياق التنظيم الاجتماعي، يضع المنهج القرآني في السورة ملامح “الاقتصاد الأخلاقي”؛ حيث يأمر بإيتاء ذوي القربى والمساكين حقوقهم، ليس تفضلاً بل أداءً لواجب مالي واجتماعي، مع التحذير من آفة التبذير التي تخرج الإنسان من دائرة الرشاد إلى “أخوة الشياطين”. كما ترسم الآيات قاعدة ذهبية للاستقرار المالي تقوم على التوازن والاعتدال: “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ” (الإسراء: 29)؛ فالوسطية هي صمام الأمان الذي يحمي الفرد من ذل الحاجة وحسرة الضياع.
​أما في جانب حماية الأمن المجتمعي، فقد تصدت السورة لجرائم الجاهلية بصورها القديمة والمعاصرة؛ فحرمت قتل الأولاد “خشية إملاق” لتؤكد أن الرزق بِيَدِ مَن وهب الحياة، وحرمت الزنا صيانةً للأعراض والأنساب، وشددت على حرمة النفس البشرية. كما أفردت السورة حماية خاصة لمال اليتيم، وأمرت بالوفاء بالعهود، وإقامة القسط في المكاييل والموازين: “وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ” (الإسراء: 35)، ليكون العدل هو الركيزة التي تقوم عليها المعاملات بين الناس.
​ولعل من أبلغ الدروس المعرفية في السورة هو مبدأ “المسؤولية عن الأدوات المعرفية”؛ إذ ينهى القرآن عن الخوض فيما لا علم للإنسان به: “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” (الإسراء: 36). إنها دعوة للتثبت العلمي والتحري الصادق، ونبذ الشائعات والظنون التي تهدم المجتمعات، وهو ذات المنهج الذي أكدته سورة الحجرات في ضرورة التبين.
​وتختتم السورة هذه المنظومة القيمية بدعوة الفرد إلى التواضع وتذكيره بحجمه الحقيقي في هذا الكون الشاسع؛ فالكبر ليس إلا وهماً يقطع الإنسان عن واقعه وعن خالقه. إن هذه التأملات في سورة الإسراء تقودنا إلى حقيقة واحدة: أن الإسلام هو دين السلوك القويم، والعلم النافع، والرحمة الشاملة. فمتى استمسكنا بهذا المنهاج، تحقق لنا الفلاح الذي ينشده كل مؤمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى