مقالات

زيارة كانتابورام أبو بكر مصليار لمودي: طعنة في ظهر المسلمين

بقلم : نسيم بن حمزة أحمد

في مشهد أثار موجة عارمة من الانتقادات والجدل في الأوساط الإسلامية والسياسية في الهند، توجّه الزعيم الديني الكيرالي كانتابورام إيه بي أبو بكر مصليار إلى نيودلهي للقاء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. ولم يكتفِ بذلك، بل أجرى مقابلة حية مع إحدى القنوات الإنجليزية صرّح فيها بأن المسلمين في الهند لا يعانون من مشاكل كبيرة، وأنهم يعيشون في أمان واستقرار. هذا التصريح الذي بدا وكأنه صُكّ براءة ممنوح لنظام مودي من قِبل “مفتي أعظم” — لقب منحه لنفسه بنفسه — أشعل فتيل غضب واسع، ليس لأن لقاء رئيس الوزراء في حد ذاته جريمة، بل لأن ما خرج به من هذا اللقاء كان بمثابة خنجر مسموم غُرس في ظهر مجتمع بأكمله يرزح تحت وطأة الاضطهاد المنهجي.

السياق الذي لا يمكن تجاهله

لفهم خطورة ما فعله مصليار، لا بد من استحضار السياق الذي جاءت فيه هذه الزيارة. فقبل توجهه إلى دلهي مباشرة، كان مصليار قد حضر مؤتمراً تحضيرياً للاحتفال بالذكرى المئوية لمنظمته “سمسْتا كيرالا جمعية العلماء”، حيث أُقرّ قرار يحذّر من خطورة تحالف الأحزاب العلمانية مع القوى الطائفية والهندوتفية، واصفاً ذلك بالخطر الداهم على الوطن. ثم ما إن انتهى المؤتمر حتى استقلّ الطائرة متوجهاً إلى دلهي ليجلس مع أبرز ممثّل لأيديولوجيا الهندوتفا في الهند المعاصرة — ناريندرا مودي نفسه! أيّ تناقض صارخ هذا؟ أن تحذّر من الطائفية في الصباح، ثم تجلس مع رأس الطائفية في المساء، وتخرج لتقول إن كل شيء على ما يرام!

المسلمون في الهند: أمان مزعوم وواقع دامٍ

إن أخطر ما في تصريح مصليار هو أنه يتناقض تناقضاً صريحاً مع الواقع الذي يعيشه ملايين المسلمين في الهند يومياً. فلنتوقف عند بعض الوقائع التي تفضح زيف هذا الادعاء:

في ولاية بيهار، في قرية ماوي، كان شاب مسلم يُدعى محمد عطار حسين يبيع الأقمشة متنقلاً على دراجته الهوائية — وهذا وحده يكشف مستوى الفقر الذي يعيشه. في الخامس من ديسمبر الماضي، وبينما كان عائداً من عمله، تعطّلت دراجته فتوقف يسأل عن مكان لإصلاحها. سأله الجالسون حول نار المخيّم عن اسمه، فلما عرفوا أنه “محمد”، انهالوا عليه ضرباً بالحطب المشتعل حتى فارق الحياة. قُتل لا لشيء إلا لأن اسمه يدلّ على هويته الدينية. فهل لهذا الشاب ولعائلته يقول مصليار: “أنتم في أمان”؟

وفي جامعة بنارس الهندوسية، حين عُيّن أستاذ مسلم — ينحدر من عائلة عريقة في علوم السنسكريتية، كان والده عالماً سنسكريتياً وكانت عائلته تُنشد الأناشيد في المعابد — لتدريس اللغة السنسكريتية، ثار طلاب المنظمات الهندوسية المتطرفة رافضين أن يُدرّسهم مسلم هذه اللغة، فأُجبر على الانتقال إلى قسم علم الاجتماع. فهل لهذا الأستاذ يقول مصليار إنه “آمن”؟

وماذا عن كابيل ميشرا، قيادي حزب بهاراتيا جاناتا — حزب مودي نفسه — الذي دعا علناً إلى قتل “الخونة” في إشارة واضحة إلى المسلمين خلال أحداث دلهي الدامية؟ وماذا عن هيمانت بيسوا شارما، رئيس وزراء ولاية آسام من الحزب ذاته، الذي طالب الناس بأن يدفعوا لمسلمي “ميا” روبية أقل من غيرهم في أجرة الريكشا، داعياً صراحة إلى إذلالهم وسحقهم؟ هؤلاء جميعهم من حزب رئيس الوزراء الذي جلس معه مصليار ثم خرج ليبشّرنا بالأمان!

حظر اللحوم وتجويع المسلمين

في ولايات عديدة تحكمها حكومات حزب بهاراتيا جاناتا، يُفرض حظر على بيع اللحوم خلال المناسبات والأعياد الهندوسية، يمتد أحياناً لأسابيع وحتى شهر كامل. هذا الحظر لا يمسّ حرية العبادة فحسب، بل يضرب سبل عيش آلاف التجار المسلمين الذين يعتمدون على هذه التجارة في إعالة أسرهم. إنه تجويع ممنهج وإفقار مقصود تحت غطاء ديني. وفي الوقت ذاته، تُطالَب المساجد بوضع ستائر لإخفاء الصلاة عن الأنظار، في إهانة صريحة لحرية العبادة. فهل هذا هو “الأمان” الذي يتحدث عنه مصليار؟

شهادة العالم تكذّب مصليار

ليس المسلمون الهنود وحدهم من يقولون إنهم في خطر. فتقارير لجنة الحرية الدينية الدولية التابعة للولايات المتحدة تصنّف الهند سنوياً ضمن “الدول المثيرة للقلق الشديد” فيما يتعلق بحماية الأقليات الدينية — ليس المسلمين فحسب، بل المسيحيين والسيخ أيضاً. وهذا الوضع لم يبدأ مع مودي، لكنه تفاقم بشكل حاد في عهده، كما تؤكد المنظمات الدولية. فحين تخرج وكالات عالمية موثوقة بتقارير موثّقة تقول إن الأقليات في الهند تعيش في خطر وجودي، ثم يأتي رجل دين من ولاية كيرالا ليقول العكس تماماً، فإن المستفيد الوحيد من هذا التصريح هو النظام الحاكم الذي سيستخدمه كـ”شهادة” لدحض الاتهامات الدولية.

المفتي الأعظم”: لقب مصنوع

من المهم أن نفهم أن لقب “المفتي الأعظم للهند” الذي يتزيّن به مصليار ليس لقباً رسمياً منحته إياه أي جهة حكومية أو مؤسسة إسلامية جامعة. إنه لقب اختلقه لنفسه. ففي البلدان ذات الأغلبية المسلمة، يكون المفتي الأعظم هو المرجع الديني الأعلى المعتمد رسمياً. أما في الهند، فلا وجود لمثل هذا المنصب، والحكومة لم تمنح هذا اللقب لأحد. بل إن كثيراً من مسلمي الهند خارج ولاية كيرالا لا يعرفون من هو مصليار أصلاً. صحيح أن له قاعدة أتباع كبيرة في كيرالا، لكن أن يُنصّب نفسه ممثلاً لمئتي مليون مسلم هندي فهذا أمر لا يقبله عقل ولا منطق. والأخطر أن هذا اللقب المصنوع هو تحديداً ما يجعل تصريحه ذا قيمة بالنسبة للحكومة الهندوتفية، التي ستلوّح به أمام العالم قائلة: “انظروا، حتى المفتي الأعظم للهند يقول إن المسلمين بخير!”

إرث تاريخي من موالاة السلطة

لمن لا يعرف الخلفية التاريخية، فإن منظمة “سمستا كيرالا جمعية العلماء” التي ينتمي إليها مصليار — أو بالأحرى النصف الذي يقوده بعد انشقاق الثمانينيات — تحمل في حمضها النووي جينات الموالاة للسلطة مهما كانت. فمنذ تأسيسها في عهد الاستعمار البريطاني، وقفت هذه المنظمة إلى جانب المستعمر ضد حركة التحرر الوطني. لقد أصدرت قرارات تمنع أعضاءها من الانضمام إلى حزب المؤتمر الوطني والمشاركة في حركة الاستقلال، ودعت إلى “احترام الحكومة” — أي الحكومة البريطانية الاستعمارية. بل إن أحد قادتها التاريخيين، وركّال مولاكويا تنغال، مُنح لقب “خان بهادر” من البريطانيين مكافأة له على معارضته لحركة الاستقلال. والأدهى أن هذه المنظمة ذاتها أصدرت في تاريخها قرارات تمنع تعليم المرأة المسلمة — مواقف رجعية بكل المقاييس.

فلا عجب إذن أن يسير مصليار على خطى أسلافه. إن الوقوف مع السلطة وتملّقها وتبييض صفحتها هو السمة الجوهرية لهذه المؤسسة الدينية عبر تاريخها، سواء كانت السلطة بريطانية استعمارية أم هندوتفية فاشية.

الخيانة الكبرى: المصالح الشخصية فوق مصلحة الأمة

لا يخفى على أحد أن مصليار ليس مجرد زعيم ديني، بل هو مدير شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والخيرية والوقفية. وفي ظل حكومة تستخدم الوكالات الفيدرالية كسلاح لملاحقة المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الخيرية — وخاصة الإسلامية منها — فإن استرضاء السلطة يصبح ضرورة لبقاء هذه المؤسسات. وهنا يكمن جوهر المشكلة: أن يُضحّي زعيم ديني بقضية مئتي مليون مسلم هندي من أجل حماية مصالحه المؤسسية الخاصة. إن هذا ليس دبلوماسية ولا حكمة، بل هو أنانية مقنّعة بثوب الدين.

يُعلّمنا الحديث النبوي الشريف أن “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”. فالعالِم الحقيقي هو من يقف أمام الحاكم الظالم ويصدع بالحق في وجهه. أما أن يجلس العالِم مع الحاكم ثم يخرج ليقول للناس إن كل شيء على ما يرام، فهذا ليس جهاداً بل هو خيانة مركّبة: خيانة للعلم الذي يحمله، وخيانة للمجتمع الذي يدّعي تمثيله، وخيانة للحقيقة التي يراها بعينيه ويتجاهلها.

صمت المتواطئين

لا يمكن الحديث عن هذه القضية دون الإشارة إلى الصمت المريب للحزب الشيوعي الماركسي (سي بي إم) في كيرالا، الذي طالما قدّم مصليار باعتباره رمزاً علمانياً كبيراً، ولم يجرؤ يوماً على انتقاد مواقفه. بل إن رئيس وزراء كيرالا نفسه حضر وألقى كلمة في مؤتمر المنظمة قبل أيام قليلة من هذه الزيارة. فهل يوافق الحزب الشيوعي على أن مسلمي الهند في أمان؟ هل هذا هو موقفهم الرسمي؟ إن الحزب مطالب بالردّ، لأن الصمت في هذا المقام تواطؤ.

غياب المرأة: دلالة لا تحتاج تفسيراً

ومما يستحق الذكر أن الرحلة التي قام بها مصليار في كيرالا قبل توجهه إلى دلهي — والتي يُزعم أنها كانت لاستطلاع أحوال الناس — لم تشهد أي مشاركة نسائية على الإطلاق. وهذا ليس مفاجئاً من منظمة أصدرت تاريخياً قرارات بمنع تعليم المرأة المسلمة. إن إقصاء نصف المجتمع من أي حوار أو مشاركة يكشف عن عقلية رجعية لا علاقة لها بمقاصد الإسلام الحقيقية.

الفرق بين الحوار والاستسلام

يحاول أنصار مصليار تبرير موقفه بالقول إن منظمات إسلامية أخرى أجرت حوارات مع قيادة منظمة آر إس إس (التنظيم الأم لحزب مودي)، فلماذا يُنتقد هو وحده؟ لكن الفرق شاسع: تلك المنظمات حين التقت بقيادة آر إس إس، أبلغتهم صراحة أن الأقليات في الهند تعيش في خوف وأن الوضع يزداد سوءاً، وطالبتهم بالعمل على معالجة ذلك. لم تخرج لتقول إن كل شيء بخير. أما مصليار فخرج من لقائه مع مودي ليمنحه شهادة حُسن سلوك أمام العالم. هذا ليس حواراً، بل هو استسلام.

خلاصة القول

إن زيارة كانتابورام أبو بكر مصليار لناريندرا مودي ليست مجرد زيارة مجاملة لرئيس حكومة. إنها حدث سياسي بامتياز، يحمل رسائل خطيرة في توقيت بالغ الحساسية. فحين يخرج رجل دين يلقّب نفسه بالمفتي الأعظم للهند ليقول إن المسلمين في أمان، بينما يُقتلون في الشوارع بسبب أسمائهم، ويُطردون من الجامعات بسبب هويتهم، ويُجوَّعون بسبب مهنتهم، وتُصادر حقوقهم السياسية بشكل ممنهج — فإن هذا لا يُعدّ سذاجة سياسية، بل خيانة واعية لقضية شعب بأكمله.

إن ما فعله مصليار هو استمرار لتقليد مخزٍ عمره قرن من الزمن: علماء دين يبيعون ضمائرهم للسلطة القائمة مقابل حماية مصالحهم الشخصية والمؤسسية، غير آبهين بمعاناة الملايين الذين يدّعون تمثيلهم. لقد أعطى للنظام الهندوتفي أغلى هدية يمكن أن يحلم بها: شهادة من “داخل البيت” تقول إن المسلمين بخير. وهذه الشهادة ستُستخدم حتماً لتبييض صفحة نظام وصفته المنظمات الدولية بأنه يمارس اضطهاداً منهجياً ضد الأقليات.

على المسلمين في الهند وكيرالا أن يعوا جيداً أن هذا الرجل لا يمثلهم، وأن لقبه المصنوع لا يمنحه حق الحديث باسمهم، وأن مصالحه الشخصية لا تبرر التضحية بأمنهم وحقوقهم. وعلى كل القوى التي تدّعي العلمانية والوقوف مع الأقليات — وفي مقدمتها الحزب الشيوعي الماركسي — أن تُعلن موقفها بوضوح: هل مسلمو الهند في أمان أم لا؟ إن الصمت لم يعد خياراً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى