
كيف تحوّلت المعاني التعبدية إلى طقوس استهلاكية عابرة؟
هل يحتاج البرّ إلى تذكير سنوي؟ هل ينتظر حبّ الأم إشعارًا على الهاتف؟ وهل يُختصر الوفاء في وردة تُشترى في موسم محدد ثم تُنسى في بقية العام؟
لم تكن القيم في التصور الإسلامي مناسبات… بل كانت أنفاسًا يومية.
البرّ عبادة ممتدة، والحب مسؤولية أخلاقية، والصداقة عهد، والرحمة نظام حياة.
في البناء القيمي الإسلامي، لا تُفصل الأخلاق عن العبادة، ولا تُختزل المشاعر في طقسٍ عابر.البرّ ليس لفتةً، بل التزام.والرحمة ليست شعورًا، بل سلوكًا ممتدًا. والحب ليس إعلانًا، بل مسؤولية.
حين تحدث القرآن عن برّ الوالدين لم يجعله مناسبة، بل قرنه بالتوحيد، وجعله في صدارة منظومة الطاعة. لم يقل: “احتفلوا بآبائكم”، بل قال: لا تقل لهما أفّ، ولا تنهرهما، وقل لهما قولًا كريمًا. أي أن القيمة هنا ممارسة يومية، وليست احتفالًا موسميًا
وحين تحث القران عن الحياة الزوجية قال تعالى :
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
لم تكن المشاعر مؤرخة في تقويم، ولا مربوطة بحملة تسويقية، ولا مشروطة بخصمٍ موسمي.
لكن شيئًا ما تغيّر. تحوّل البرّ إلى يوم. وتحوّل الحب إلى تاريخ. وتحوّلت العلاقات إلى طقس موسمي يُستدعى بالبطاقات والورود والصور المنشورة.
لسنا هنا بصدد مهاجمة المشاعر، ولا إنكار قيمة الهدية، ولا تحريم الفرح.
الإشكالية أعمق من ذلك بكثير. الإشكالية حين تتحول القيم المستمرة إلى لحظات عابرة، وحين يستبدل الواجب التعبدي بالاحتفال الرمزي،وحين يصبح السوق هو الذي يذكّرنا بمن نحب.
في الجاهلية الأولى كان الناس يعبدون أصنامًا من حجر.
أما الجاهلية المعاصرة فقد صنعت أصنامًا من رموز استهلاكية، تمنحنا وهم الشعور… وتسلبنا جوهر المعنى.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة:
هل نعيش حداثةً واعية… أم جاهليةً أنيقة؟ وهل استوردنا التقويم… أم استوردنا طريقة التفكير ذاتها؟
أولًا: من العبادة المستمرة إلى الرمزية الموسمية
تفكيك التحوّل القيمي في الوعي الإسلامي المعاصر
في البناء القيمي الإسلامي، لا تُفصل الأخلاق عن العبادة، ولا تُختزل المشاعر في طقسٍ عابر.
البرّ ليس لفتةً، بل التزام. والرحمة ليست شعورًا، بل سلوكًا ممتدًا. والحب ليس إعلانًا، بل مسؤولية.
حين تحدث القرآن عن برّ الوالدين لم يجعله مناسبة، بل قرنه بالتوحيد، وجعله في صدارة منظومة الطاعة. لم يقل: “احتفلوا بآبائكم”، بل قال: لا تقل لهما أفّ، ولا تنهرهما، وقل لهما قولًا كريمًا. أي أن القيمة هنا ممارسة يومية، وليست احتفالًا موسميًا.
التحوّل من الفعل إلى الرمز
في الزمن المعاصر حدث انتقال خفي: •من الفعل المستمر إلى الرمز المؤقت. •من السلوك المتكرر إلى المناسبة المؤرخة. •من الالتزام إلى الشعور اللحظي.
أصبح البرّ صورة تُنشر، وأصبح الحب هدية تُشترى، وأصبحت الصداقة منشورًا عامًا.
الخطورة ليست في الرمز ذاته، بل حين يحلّ الرمز محلّ الحقيقة.
السوق بوصفه موجّهًا للمشاعر
لم تعد القيم تتحرك بدافع ديني أو أخلاقي فحسب، بل دخلت في منظومة استهلاكية ضخمة.
يتم تحديد يوم، وتُطلق حملة، وتُصاغ عاطفة جماعية، ويُربط التعبير عنها بمنتج.
هنا يحدث التحوّل الأخطر: بدل أن تُنتج القيمُ السلوكَ، يُنتج السوقُ المناسبةَ، ثم يُعاد تشكيل السلوك ليتوافق معها. تصبح المشاعر جزءًا من دورة اقتصادية، ويتحول الحب إلى موسم شراء،والبرّ إلى بطاقة تهنئة.
اختزال القيمة في لحظة
القيمة في الإسلام ممتدة زمنيًا؛ هي خطٌّ لا نقطة.
أما المناسبة الموسمية فهي نقطة تُضيء ثم تنطفئ. عندما يُختزل البرّ في يوم، يحدث ما يلي:•يشعر الفرد أنه أدّى ما عليه بانتهاء المناسبة.•يتحول الواجب الأخلاقي إلى شعور مكتمل مؤقتًا.•يضعف الاستمرار لأن “الذمة النفسية” قد ارتاحت.
ثانيًا: الجاهلية المعاصرة – هل هي ارتداد أم إعادة تشكيل للوعي؟
الجاهلية الأولى كانت عبادة الأصنام، العصبية القبلية، وأشكال الانفلات الأخلاقي.
لكن الجاهلية ليست زمنًا، بل حالة وعي: فقدان الميزان الذي يُعرّف الإنسان بحقيقته، وبوظيفته، وبمرجعيته.
الجاهلية الأولى: وضوح الانحراف
كانت الأصنام مرئية، وكان الانحراف معلنًا، وكانت المرجعية البشرية واضحة في مقابل المرجعية الإلهية.
الجاهلية المعاصرة: انزياح خفي
أما اليوم، فلا تُعبد الأصنام من حجر، بل تُعبد منظومات من أفكار وأنماط حياة.
لا يُقال للناس: اتركوا دينكم، بل يُعاد تشكيل الدين ليصبح إطارًا رمزيًا منزوع الفاعلية.
هنا لا يُلغى البرّ…بل يُختزل في يوم.ولا يُلغى الحب…بل يُؤطَّر في موسم.ولا تُلغى الأخلاق…بل تُحوَّل إلى حملات عاطفية مؤقتة.
الفرق بين الارتداد وإعادة التشكيل
ليست ارتدادًا عن الدين، بل إعادة صياغة للوعي:•الفرح استهلاكي.•التعبير عرضي.•الالتزام شعور مؤقت.
الحداثة هنا ليست إنتاجية، بل استهلاكية، فتنهار القدرة على التمييز بين الأصل والرمز.
ثالثًا: استعادة المعنى – كيف نعيد القيم إلى امتدادها الطبيعي؟
إعادة تعريف المشاعر والقيم
•البرّ والحب والوفاء: سلوكيات يومية، وليست مناسبات موسمية. •الصداقة الحقيقية تختبر في المواقف، والحب الزوجي يقوم على المودة والرحمة المستمرة.
بناء وعي نقدي للمجتمع
•تعليم الأجيال أن القيم ليست مربوطة بسوق أو تقويم.
•نقد ثقافة الاستهلاك العاطفي التي تحوّل المشاعر إلى رموز عابرة.
•وعي بأن الحداثة لا تعني تقليد الغرب، بل التفاعل المنتِج مع العالم.
إعادة أدوار المؤسسات
•دمج القيم الأخلاقية اليومية في المناهج.•تشجيع الحوار الأسري والمجتمعي حول المعاني الحقيقية للبرّ والحب والوفاء.
•حملات تثقيفية تتجاوز الاحتفال الرمزي وتؤكد على الالتزام الفعلي.
الأمثلة العملية
•تقدير الأم والأب يوميًا بالكلمة الطيبة، الدعاء، المساعدة، وليس بالعيد فقط. •الاحتفاء بالزوج/الزوجة بالحوار والاهتمام المستمر. •الصداقة والوفاء: الالتزام بالمواقف، المساندة، الاحترام الدائم.
الخاتمة
حين نستعيد القيم إلى امتدادها الطبيعي، حين يصبح البرّ والفعل الأخلاقي عادة يومية، حين تصبح المشاعر مسؤولية وليست موسمية،حين نصنع وعيًا نقديًا قادرًا على التمييز بين الأصل والرمز، سوف نتمكن من مواجهة الجاهلية المعاصرة، ونعيد لعالمنا الإسلامي توازنه بين الحداثة والحفاظ على هويته القيمية



