الدين والشريعة

الإسراء والمعراج

بقلم : أبو طارق الحواس

.بسـم اللّٰـه الرَّحمٰــن الرَّحيــــم..
*{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}*
أخي في الله..
هل تعرف السر العظيم وراء رحلة الإسراء والمعراج..؟؟
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد إنتقال عبر الزمن والمكان..
بل كانت معجزة ربانية تشكل نقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية..
فعندما أُسري بالنبي محمد ﷺ من مكة إلى القدس..
ومن ثم عُرج به إلى السماوات العُلى..
أظهر الله سبحانه بذلك قوةً إيمانيةً تُكرمُ النبيﷺ وَتَشُدُّ من أزره بعد تحديات قاسية واجهته..
وقد تتساءل أخي في الله..
كيف إستطاعت هذه الرحلة أن تكون مصدرًا دائمًا للإلهام والقوة للمسلمين عبر الأجيال..؟؟

فمن خلال هذه الرحلة.. فرضت *الصلاة*.. وظهرت مكانة القدس في الإسلام كرمز للوحدة والتقديس.. وأكدت على وحدة الرسالات السماوية كافة..

حيث تُعدُّ حادثة الإسراء والمعراج من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام..
إذ تَجسّد فيها الإعجاز الرباني الذي يُظهر قدرة الله المطلقة وتكريمًا خاصًا لنبي الإسلام محمد ﷺ..
وقد جاء هذا الحدث الاستثنائي ليكون رسالة من الله لرسوله تثبيتًا لقلبه.. وتعزيزًا لإيمانه في أصعب مراحل الدعوة..
فكانت رحلة فريدة بين السماء والأرض تضمنت العديد من العجائب والدروس العميقة..
فالإسراء هو الحدث الذي ساق الله فيه النبي محمد ﷺ من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس بقدرة إلهية خارقة..
وقد وردت هذه الواقعة في صدر سورة الإسراء..
في قوله تعالى:
*{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}*
حيثُ يُشير هذا الحدث إلى انتقال النبي ليلاً من مكة إلى القدس بفضل إرادة الله..
حيث كُرِّم المسجد الأقصى باعتباره مسرحًا لهذه الرحلة العظيمة..
أما المعراج فيُشير إلى صعود النبي ﷺ من المسجد الأقصى إلى السماوات العُلا..
حيث عُرج به إلى سدرة المنتهى.. وهي أعلى مراتب السماء وأقربها إلى عرش الرحمن..
وكان هذا الصعود جزءًا من تكريم الله لنبيه ﷺ..
فقد خُصَّ النبي ﷺ برحلة روحية وجسدية لم يحظَ بها أحد من الخلق..!!
وقد صاحب النبي ﷺ في هذه الرحلة المباركة جبريل عليه السلام..
وعند وصوله إلى المسجد الأقصى صلىٰ النبي محمد ﷺ إمامًا بالأنبياء والمرسلين..
مما أظهر مقامه الرفيع ﷺ بين الأنبياء وتأكيده لخاتمية النبوة..
وبعد أن إنتهى ﷺ من الصلاة بالأنبياء عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم جميعا..
بدأ رحلة المعراج.. حيث صعد بقدرة الله إلى السماوات العُلا..
وفي كل سماء التقى ﷺ بنبيّ من الأنبياء..
فآدم في السماء الأولى.. وعيسى ويحيى في الثانية.. ويوسف في الثالثة.. وإدريس في الرابعة.. وهارون في الخامسة.. وموسى في السادسة.. وأخيرًا في السماء السابعة.. إلتقىٰ سيدنا محمد بسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم…
وبعدها وَصَلَ النبي ﷺ إلى سدرة المنتهى..
حيث تجاوز كل المقامات الكونية.. وأخذ يتلقى الرسائل الإلهية..
ومن أبرزها فرض *الصلاة* على المسلمين.. فكانت صلاة المسلمين خمسين صلاة ثم خُففت إلى خمس..
هاتان الرحلتان (الإسراء والمعراج) كانتا محطة مهمة في حياته ﷺ وفي مسيرة دعوته في مكة.. بعد أن قاسى ما قاسى وعانى ما عانى من قريش..

هل تساءلت أخي الكريم لماذا عُرج بالنبي ﷺ من القدس..؟؟
تُعتبر رحلة الإسراء والمعراج معجزة عظيمة أكرم الله بها نبيه محمدًا ﷺ..
حيث بدأت بالإسراء من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى المبارك في القدس الشريف..
ثم أعقب ذلك المعراج من القدس إلى السماوات العُلا..
وقد جاءت هذه المعجزة محمّلة برموز ودلالات عظيمة..
وكان لِكَونِ المعراج إنطلق من المسجد الأقصى وليس من مكة.. دلالات عميقة تشمل العديد من الحِكَم والمعاني.. منها ما يلي:
١ـ تأكيد قدسية المسجد الأقصى ومكانته في الإسلام..
٢ـ ربط مكة والقدس كرمزين للتوحيد والإيمان..
٣ـ تكريمًا للنبي ﷺ بالإمامة على الأنبياء في القدس..
٤ـ إبراز المكانة الروحية للأمة الإسلامية في علاقتها بالأمم السابقة..
٥ـ الإشارة إلى الأهمية التاريخية والدينية للقدس عبر الزمن..
٦ـ القدس كمكان انطلاق للنور الرباني في الأرض..
٧ـ رسالة مهمة للمسلمين بحماية المقدسات والحفاظ عليها..
٨ـ التأكيد على المسؤولية الروحية للمسلمين تجاه القدس..

حيثُ يشير الله تعالى إلى ارتباط هذه الأماكن المقدسة في عقيدة المسلمين.. مما يعزز الوحدة الروحية بين مكة والقدس في قلوب المسلمين..
كذلك تأكيداً على أهمية الكعبة كبيت الله الحرام.. وهو أول بيت لله على الأرض.. ومنه كانت الانطلاقة إلى المسجد الأقصى..
وكأن هذه الرحلة تشدد على أهمية الكعبة كرمز مركزي للدين الإسلامي وبيت مُقَدَّس للمسلمين في جميع أنحاء العالم..

وعند وصول النبي محمد ﷺ إلى سدرة المنتهى.. وهو الحجاب الأخير بين الله وخلقه..
تقدم جبريل عليه السلام مشيرًا للنبيﷺ بأن يتجاوز هذا المقام..
ويعتبر هذا الموضع الحد الذي لم يتجاوزه أي مخلوق.. مما يبرز مقام النبيﷺ ومكانته عند الله..

وبعد أن أُسري بالنبي ﷺ من المسجد الحرام.. إلى المسجد الأقصى المبارك في القدس..
حيث يُعد هذا المسجد ثالث أقدس المساجد في الإسلام بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف.. وأول قِبلَةً للمسلمين..

بهذا ترسخت مكانة المسجد الأقصى كوجهة روحية للمسلمين.. مما يجعل إرتباط المسلمين بهذا المسجد إرتباطًا دينيًا وعقائديًا..
وهو ما يضفي عليه أهمية عظيمة في قلوبهم إلى يومنا هذا..

وكان لإنتقال النبي ﷺ بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى دلالات عظيمة ورمزية عميقة ودروسًا للمسلمين عبر الزمن..

ومنها ترسيخ مكانة القدس في نفوس المسلمين وتعظيمه في الإسلام..
فإختيار الله للقدس كوجهة لنبيهِ ﷺ بعد مكة.. يؤكد قدسية المسجد الأقصى وأهميته..
مما يحث المسلمين على الاهتمام بهذه البقعة المباركة..
وكذلك التذكير بالأخوة الإيمانية..
حيث يجسد الإنتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رسالة وحدوية..
إذ يشير إلى أن المؤمنين متصلون برباط الإيمان..
وأنهم يشاركون في إرث إيماني واحد عبر الأنبياء والمرسلين..
ما يعزز وحدة الأمة الإسلامية جمعاء..

أسأل الله العظيم أن يُوَحِّدَ كلمة المسلمين على طاعته وعلى نهج نبيه محمد ﷺ..
كما أسأله تعالى أن يرد المسجد الأقصى إلى حضيرة الإسلام والمسلمين شامخا معززا مكرما.. ويرزقنا فيه صلاة قبل الممات..
اللهم آمين آمين آمين يارب العالمين..
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين..
اللهم آمين آمين آمين يارب العالمين..

إغلاق