الرئيسيةمقالات

قصة الطبيب التونسي الذي اكتشف الطاعون بتونس سنة 1818م فتمّ ضربه وسجنه

كتب الاعلامي التونسي المعزبنرجب

من يدرس التاريخ يكتشف أنّ الأحداث تكرر نفسها من عصر إلى عصر ومن بلد إلى آخر على الرغم من اختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة وتباين العوامل، ونفسر ذلك بأنّ تشابه الأحداث سببه هو وجود العقلية نفسها في التعامل مع الحدث الواحد في الظرفيات المختلفة… وهي هنا عقلية سياسية قمعية حذرة من العقلية الطبية التي تكتشف عدوا مجهريا وتطلق صيحة فزع من شأنها أن تهزّ الأمن العام والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وفي هذا المعنى ونحن نعيش فترة حجر صحي شامل توقيا من انتشار الطاعون الرئوي بلغة القدامى (فيروس كورونا الجديد) أستحضر لكم قصة الطبيب التونسي الذي اكتشف الطاعون بتونس سنة 1818م فتمّ ضربه وسجنه، في تشابه مع ما حدث في زمننا الراهن – وتحديدا منذ أشهر قليلة – مع الطبيب الصيني لي وينلبانغ الذي أطلق صيحات فزع من ظهور وباء كورونا المستجد فقبضت عليه الشرطة وهددته بتقديمه للعدالة بتهمة الإضرار بالنظام الاجتماعي عن طريق بث الإشاعات الخطيرة.

الطبيب التونسي رجب: مكتشف طاعون سنة 1818م:

في شهر شوال 1233هـ/أوت 1818م اكتشف رجب الطبيب العامل بمدينة تونس وهو في الأصل “حكيم من مسلمة الإفرنج”، أي أنه طبيب فرنسي اعتنق الإسلام وجود حالات إصابة بالطاعون في تونس العاصمة، فسارع بإخبار السلطة بهذا الخطر الداهم. فكيف تفاعلت معه السلطة السياسية؟ يقول ابن أبي الضياف: “ولما أخبر الباي بذلك (وهو وقتئذ محمود باشا باي) أمر بضربه وسجنه كالمجرمين، فامتحن (هذا الطبيب) بسبب علمه”. (ابن أبي الضياف، إتحاف أهل الزمان، مج2، ج3، ص 128-129).
وبعد مدة قصيرة انتشر الطاعون وصار وحشا خارجا عن السيطرة يحصد أرواح مئات التونسيين يوميا، ودام نحو العامين، فتك خلالهما بنصف الشعب التونسي، الأمر الذي جعل مزارع البلاد خالية، والمدن قفرة، وهو ما تسبب في تخلف البلاد التونسية التي كانت تنافس الدول الأوروبية في القوة والتقدم خلال فترة حكم حمودة باشا باي.

الطبيب الصيني لي وينلبانغ: مكتشف وباء كورونا المستجد:

عندما أطلق الطبيب الصيني لي وينليانغ صيحة فزع من ظهور وباء بووهان داعيا زملائه إلى أخذ إجراءات وقائية مشددة. داهمت الشرطة منزله وألقت به في السجن، لكن بعد ظهور صدق كلامه بانتشار وباء كورونا المستجد أصبح هذا الطبيب الذي مات بدوره بالكورونا بطلا قومي، ممهدا الطريق في المستقبل، للأخذ بمحمل الجد التحذيرات المبكرة للأطباء عند إ ملاحظتهم لما يدل على انتشار مرض مُعْدٍ.

وما نستخلصه من عبر من مثل استحضار هاتين القصتين هو وجوب تخلي السلطة السياسية عن وهم أنها السلطة العليا العارفة حصريا بكل شيء وأنها السلطة الوحيدة المحيطة بكل ما يدور في المجتمع، ووجوب تدربها على الأخذ بمحمل الجد تنبيهات ممثلي السلطة الطبية والتفاعل السريع مع دقاتهم لجرس الخطر.
إنّ الكوارث المجتمعية لا تحل فجأة وإنّما تسبقها مقدمات، وبقدر التفاعل الإيجابي للسلط السياسية مع تلك المقدمات تكون النجاة ويتحقق الخروج من حالات الكوارث بأقل الأضرار الممكنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =

إغلاق