الرئيسيةمكتبة الأدب العربي و العالمي

حكايا من القرايا ” تسامح الغانمين “

عمر عبد الرحمن نمر

في بلدة المزيونة، عاش أبو عدنان، كان له فيها أراضٍ واسعة، فيها من الخيرات الشيء الكثير… أبو عدنان أهداه الله بسطة في الجسم والفهم… فهو رجل طوال، وجهه أبيض كالشمس، وعيناه زرقاوان كماء بحيرة… مبتسم دائماً… يلبس (تشبره) كبْره العربي، وحطّته البيضاء المنشّاة، فوقها عقال المرعز، ويحيط نفسه بعباءة تدل على عزّ أصيل، ويحمل عصا المشيخة، فتحسّ بأن للرجل حضوراً في المحافل كلها، يقول كلمته كرئيس لجنة إصلاح، فلا تقسم كلمته إلى كلمتيْن، ولا يطأ كلامه الأرض… كان يصلح الناس على تنوع مشاكلهم… يصلح على الدم، ويعقد الرايات في طول البلاد وعرضها…

في إحدى المرات، طلب والد أحد الشباب من (أبو عدنان) أن ينصح ابنه، فمَمْشى الولد عاطل، وممارسته تدل على أنه هامل، ولم يتوانَ أبو عدنان، حيث انفرد بالشاب ونصحه، ويبدو أنه قسا عليه، وهو يعلّمه ويوجّهه ويربّيه، ويبين له المليحة من العاطلة… وأسرّها الشاب في نفسه وحقد على الشيخ… بعد أيام والشيخ جالس عصراً في ركنه الخاص في المقهى، ينتظر صديقاً له، وإذ بالشاب يفاجئه، ويلطمه على خدّه لطمتيْن أمام الناس جميعهم… يتجمع الناسحول الشيخ، ويهرب الشاب… ويتجمع شباب عائلة (أبو عدنان) وشباب العائلة الثانية، وتتهيأ الدنيا لطوشة لها أول ولا آخر لها… يطلب أبو عدنان من الشباب التفرق، ويعود بأبناء حمولته إلى البيت…

يجلس أبو عدنان في مظافته، وينتشر الخبر في المزيونة انتشار النار في يوم ريح، بل ينتشر في البلدان حول المزيونة… يتوافد الناس على المظافة، أقاربه وغير أقاربه، شيباً وشباباً، رجالاً ونساءً، وكلهم يسنّ سكاكين لسانه وسكاكين مطبخه، يريدون أن يشعلوها حرباً شعواء… يا لثارات قيس… يا لثارات اليمن… يا لثارات البسوس… ومين هم؟ ومين نحن؟ وأبو عدنان مطرقٌ مفكرٌ لا يتحدث بشيء، غير أنه يسكّنهم، ويصبرّهم ويوقفهم عن الهجوم… مرت ساعة، وساعة أخرى، ونودي لأذان المغرب… ولا شيء غير صياح القوم ونيّتهم بالهجوم… وإسالة الدماء وربما القتل… بعد الأذان طلب أبو عدنان إبريق ماء من أحد الشباب كي يتوضأ للصلاة، وخرج به، وقبل الوضوء ودون علم أحد… تلثّم الرجل وانطلق بسرعة إلى بيت العائلة الثانية… بيت الخصوم، وجدهم مجتمعين هناك، ومعهم عميد العائلة… فكّ الرجل لثامه، فتفاجأ به الناس… ووجه كلامه لسيد الجمع: يِخْرِب بيتك… وقاعد لا تلوي على شيء… على جناح السرعة… تعال مع جماعتك إلى مظافتي… وخللينا نصلح، ونهدّي النفوس… ونوقف الدم… أنا راجع حالاً إلى المظافة… وأنتم الحقوا بي… ولا تقولوا أنني أتيتكم… توضأ الرجل… وبدأ يصلي ويطيل في الصلاة ينتظر القوم… وإذا الرجال يأتون… من كل فجّ… رجال الحمولة… وشيخهم يضع عقاله في رقبته… تفاجأ ناس المظافة بهم… وهبّ أبو عدنان يعانق شيخ الضيوف، وعدّل له عقاله على رأسه، وقبّل رأسه، ثم عانق الوفد المرافق، وكذا فعل ناس المظافة… قال شيخهم: ” أبو عدنان شيخنا جميعاً، ولا نسمح لأحد أن يمسّ شعرة منه… وكانت لحظة طيش، وسنربي ابننا للتطاول على (أبو عدنان)… وقبل الشيخ أبو عدنان كلامهم… وتسامر القوم، وشربوا قهوة المظافة… وعادوا إلى بيوتهم عائلة واحدة…

وبقيت الحكاية سراً، إلى أن ابتسم أبو عدنان وهو على فراش الموت… فحدّثها بكلمات متقطّعة، وشهد عليها رجال… ومات الرجل وقد ضرب أروع الأمثلة في تسامح الغانمين…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − 6 =

إغلاق