الرئيسيةمقالات

أَتَرَاكَ ستَعُودُ أبا بهاءٍ كمَهْبَطِ الشُّعَاعِ المَغْمُوسِ بماءِ السَّماءِ ؟..}

محمد صالح غنايم / سخنين

يقولُ لنَا : “.. هذا نَيْسَانِي الأَخِيرُ قدْ حَلَّ على الدِّيَارِ
سأقْطُفُ نرجستيْنِ وبرقوقًا أحمرَ
وأملأُ جُيوبِي لَوْزًا أَخْضَرَ وعُنَّابًا ..
أحملُ قصيدتِي الأخيرةَ المُقفَّاةَ بالرَّمادِ
ملامحَ أبي القديمةَ .. قُمْبَازَهُ وكوفيَّتَهُ
منديلَ أُمِي الغريبةِ .. أْمْشَاطَها ومِسْبَحَتَها
صوتَها المغمُوسَ بالغصَّاتِ والحَسَراتِ ..
وأمضِي إلى حيثُ يأخذُني قدرِي .. إلى ما لسْتُ أَدْرِي .. ” ..
نقولُ لهُ : “تَأَنَّ أيها المُتَعَجِّلُ هُنَيْهَةً .. تأنَّ هُنَيْهَتيْنِ .. يومًا أو يوميْنِ ..
تَأنَّ حتى تأتيَ أهازيجُ الحصادِ إلى الحُقولِ .. والنّوارجُ والمَذَاري إلى البيادرِ ..
تَأنَّ حتى ينتهيَ موسمُ قِطافِ العنبِ , ويأتيَ الصّيفُ ليستحمَ مع الموجاتِ الزَّرقاءِ في البحرِ الكبيرِ ..
فما زالَ في العُمْرِ حَيِّزٌ لأغنيةٍ ومواليْنِ .. لسرنمةٍ وغفوتيْنِ .. لبسمةٍ وضحكتيْنِ ..
ما زالَ فيهِ حَيِّزٌ لتَوَهُّجِ سنبلةٍ , لزَهْوِ عندلةٍ ولقُدْسِ بسملةٍ , لشَهَقاتِ مئذنةٍ ولِتَفَتُّحِ سَوْسَنةٍ..
وما زالَ في القصيدةِ حَيِّزٌ لحوضِ حبقٍ , لبرجِ حمائمِ , لعريشةِ عنبٍ ولنايٍ رعويّةٍ ..
وما زالَ هناكَ حَيِّزٌ لتنهيدةِ عاشقةٍ ولخيبةِ مراهقةٍ لم تتجاوزْ عمرَ الوردِ بعدُ..
لم يكتملْ نبضُ دواوينِكَ أيها المُسافرُ بعدُ , ولا استدارَ عَبَّاد الشَّمسِ نحوَ سناءِ وجهِكِ بعدُ .. ولا كبرَ الأحفادُ بعدُ .. ولا شُفِيَ هذا البيتُ من طعناتِ القدرُ ومنْ كُلومِ الأمسِ بعدُ ..
ليلُ القصيدةِ يا غائبَنا ما زالَ في أَوَّلِهِ , وعصاكَ السّحريةُ لم تَشُقْ بحورَ الشّعرِ ليرتفعَ الماءُ كالطودِ فيمرُّ من هناكَ السيَّابُ وأحزانُ جيكورَ , شعراءُ بني أُميةَ , جواري الرشيدِ وقبائلُ الهلالِ الخصيبِ “…
يقولُ لنَا : ” أنا رجلٌ عاشَ في الظّلالِ يهجِّي في سرِ اسمِهِ تنهيداتِه الطوالَ , ألوحُ بمنديلٍ مبلَّلٍ َبما فاضَ من عبراتٍ ذرفَتْها الرّيحُ على بابِنا العتيقِ , ومُخَضَّبٍ بزهرِ قلبِي الذي لمْ يذبلْ عندما هَوَى من شاهقِ انتظارِهِ للمجهولِ , وكأننِي نجمةٌ تسمُو بضَوْءِ جسدِي الطينيِّ إلى جَلْجَلَةِ جرسٍ سماويِّ , تَغْمِزُ الحبَ بإيماءةِ آلهةٍ , وحين يتدفَّقُ صوتُ محبوبتِي كجدولٍ ربيعيٍّ على بياضِ وريقاتِي أُنْصِتُ بكلِّ كُلِّي لرَجْعِ الكلامِ , وأنصهرُ في معادنِي التي كَوَّنَتْنِي منذُ البَدْءِ, وأنسربُ تحتَ بابِ الغيابِ فضَّةً على قنديلِ ليلِها .. وها هيَ الظّلالُ المناوِئةُ تشُدُني من يدِي وتجرفُني معها إلى حيثُ ارتحلَ أبِي وأخِي وأختِي إلى ممالكِ الغيبِ ..
أقولُ لهُ عندما أراهُ يرتدي الأبيضَ ويحلقُ إلى السَّماءِ , يلوِّحُ لِي ويختفي : “كئيبٌ كَ (أنا ) كَ (أنتَ) كَ (نحنُ) قمرُ الضياءِ , حزينٌ كوجهِ أُمِكِ الثَّكْلَى , كأبوابِ القُدسِ ألّاكَ هذا المساءُ” ..
ويتسَاءلُونَ :
لِمَ خالطَ حبرُكَ النَّجيعَ في الدّواةِ فأَنَّ ؟!
وأنتَ المُبَعْثَرُ على وجهِ المسافاتِ قصاقيصَ ورقٍ من الوريدِ إلى الوريدِ ..
ولِمَ تاهَ ظلُكَ مع الوهمِ في دربِ الخرافةِ فجُنَّ ؟
وأنتَ الماضِي على سكةِ سفرٍ قوافلَ تيهٍ في الزمنِ الأبيدِ ..
وغربةُ روحِكِ يا صاحِ
دربُ آلامٍ لا ينتهِي , نسجَتْ كفنَكَ الأبيضَ على نَوْلِ الغمامِ …
وآهةُ قلبِكِ يا صاحِ
سيلُ ذكرياتٍ لا يتوقَّفُ , حَمَّلَتْ ملامحَكَ البريئةَ نَوْحَ اليَمَامِ …
فكيفَ نُناجي مَنْ انتقاهُ الغيابُ ؟! وقد انْشَطَرَ القلبُ في أَوْجِهِ فلقتيْنِ
كحقلِ ناياتٍ فاضَ حَسَراتٍ ..
وكيفَ ننادي من غيَّبَهُ السَّرابُ ؟! وقَدْ هَوَتْ الرّوحُ من عليائِها
كسربِ نيازكَ تَشَظَّى شَذَراتٍ ؟! ..
وأما بعدُ
يا رحيلًا يمتدُّ فينا قافلةً وقافلتيْنِ ..
يا ذكرى تهاوَتْ على ظلاِلنا حجرًا فحجريْنِ ..
يا صَوْتًا يحفُنُنا من أكداسِ الصَّمتِ عُرْمةً وعُرْمتيْنِ ..
يا أدْمُعًا تهاطلَتْ من مآقِينا وجعًا بلْ وجعيْنِ ..
لا شيءَ يشبِهُكَ بعد هذا الرَّحيلِ الأخيرِ .. ليتَكَ تعودُ ؟!
لا شيءَ يشبهُكَ بعدَ تلكَ الإغماضةِ الأخيرةِ .. ليتَكَ تستفيقُ ؟
لا شيءَ يشبِهُكَ في سكوتِكِ .. ليتَكَ تقولُ شيئًا ؟
فإن اخترْتَ الصَّمتَ , نحنُ مِلْءَ حناجرِنا سنقولُ :
مُكَسَّرةٌ كرموشِ الخنساءِ .. سطورُنا وهوامشُنا الدامِعَةُ ..
مبحُوحَةٌ كحناجِرِ العصافيرِ .. كلماتُنا ومفرداتُنا الغَارِبَةُ ..
مبتُورةٌ كأطرافِ الأحلامِ .. ذكرياتُنا وعباراتُنا الباهِتَةُ..
مُكْفَهِرَةٌ كوجهِ كربلاءَ .. أصباحُنا ومساءاتُنا النّاشِجةُ ..
مُنَكَّسَةٌ كراياتِ الأندلسِ .. أشعارُنا وقلوبُنا النّازفةُ …
صافٍ أنتَ يا صديقي كدمعةِ قديسٍ خذلَهُ محرابُهُ قبلَ الزّوالِ بغيمتينِ , فكيفَ لا يكونُ الصّمتُ في مجيءِ ذبولِ نيسانَ إلى بنفسجِ عينيكِ أبْهَى خشوعٍ وأسْمَى عبادةٍ ؟! …
مع الأشعارِ جئتَ إلينْا وَدْقًا منْ قُرْمُزِ الكلامِ , وإلى ممالكِ الورودِ رحلْتَ ليكتملَ ربيعُ الحكايةِ ..
وداعًا يا أجملَ الوُرودِ الَّتي ارسلتْها الأرضُ لتُزهرَ في السّماءِ ..
وداعًا يا سفيرَ أوجاعِنا التي لم تلتَئِمْ , ويا أشْجى كمانٍ عزفَ الشّعرَ على الأوراقِ والحِسَّ في خَلَجاتِ القلوبِ للسّاهرينَ والعابرينَ في دروبِ أُقصُوصةٍ لم تُرْوَ بعدُ …
وداعًا أيها الشّاعرُ الإنسانُ روحًا وجسدًا .. وأيها الإنسانُ الشّاعرُ قصيدةً وقافيةً ..
وإلى لقاءٍ سيأتِي لا محالةَ .. فانتظرْنَا بكاملِ ملائكيتِكَ على رصيفِ القيامةِ حيثُ أنتَ هُناكَ ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر + ثمانية عشر =

إغلاق