نشاطات

“الليالي” في ضوء دراسات حديثة: أول رواية في العالم؟

في كتابه “العين والإبرة” يسأل عبد الفتاح كيليطو من الذي ابتكر حكايات الليالي؟ ويجيب: “هذا السؤال لا فائدة منه وغير وجيه، إذ يمليه فضول غريب عن كتاب الليالي الذي لا يهتم سوى بعملية الرواية”، ثم يبرر ذلك بأنه:”لا يتم الحديث في أي لحظة عن أصل الحكايات كأنها دائمًا معروفة ومروية”. سؤال من هو المؤلف إذن كان السؤال المستبعد، فيما حاول كيليطو أن يقدم تأويلات استدلالية حول السارد، فإذا كانت شهرزاد هي ساردة الألف ليلة، فمدخل الكتاب والليلة الحادية بعد الألف لا يمكن أن تكون هي ساردتهما. يُضاف لهذا السؤال سؤال آخر عمن دوّن الليالي أو نسخها، فنحن أمام حكايات شفهية ترويها ساردة لا تهدف لشيء سوى النجاة من الموت. كيليطو، إذن، يبحث عن أسئلة جمالية تختص بمنطق الحكاية، وهي أسئلة هامة قد تفضي بنا إلى أسئلة أخرى خارج كتاب الحكايات.

هل يمكن الوثوق من أن كتاب ألف ليلة مجرد حكايات شعبية جُمِعت على مدى زمني ومكاني واسع؟ ألا يمكن أن نطرح افتراضية أن تكون الليالي “كتاباً” له مؤلف واحد مثل أعمال أخرى كبيرة كدون كيخوتيه أو الأوديسة؟ الافتراضية الأولى هي الأكثر ثباتًا وانتشارًا، ولعل نقصان الكتاب من طبعة لطبعة بل واختلاف النهاية في الليلة الحادية بعد الألف ما يبرهن الافتراضية. غير أن بنية العمل، حيث الحكاية الإطارية والقصص الداخلية التي تبدو كفصول، تبرهن الافتراضية الثانية. إننا أمام “روائي” يعرف من أين يبدأ وأين ينتهي، وكيف يولّد الحكاية من الحكاية، في لعبة سردية استفادت منها الرواية الحديثة، سواء على مستوى التكنيك أو باستلهام إحدى الحكايات. بالإضافة إلى ذلك، تمتعت الليالي في الحقيقة بتعدد الأصوات السردية، وبالسلاسة في تسليم هذه الأصوات لبعضها البعض، لتلتقي الليالي بذلك مع واحدة من أكثر مزايا الرواية الحديثة، ما قد يبرهن على أننا بإزاء عمل كاتدرائي لا يخضع لشروط “الحكاية” أو “القصة” أو “الكتاب القصصي” بقدر ما يخضع لمنطق “الرواية”. من هنا كانت الدائرية أبرز سمات الكتاب العربي.

 لكن هذه الافتراضية ستضعنا أمام معضلة أخرى: من يكون المؤلف؟ ولماذا اختفى؟

  يختفي المؤلفون عادًة لأسباب سياسية، لكن القارئ للتراث العربي يستطيع أن يلمح أن نفي المؤلف لنفسه صفة متكررة، إنها سمة متواترة في المؤلفين العرب حين نتحدث عن الأدب، فتكرار موتيفة “عثرت على كتاب” أو “جمعت هذا الكتاب” ليست غريبة على التراث العربي السردي، ويمكن قراءتها في سياق التواضع كما يمكن قراءتها في تصور الكاتب العربي لدور الكاتب، بمعنى الحياة في الظل في مقابل منح الضوء للنص، وهي النظرية التي يمكن استخلاصها من كتاب “الأدب الكبير والصغير” للجاحظ، كما يتبناها رولان بارت في “موت المؤلف” ويؤكد عليها ميشيل فوكو، إذ “النص” هو المُعنى به، وليس مؤلفه، وبذلك يجب قراءة النص بمنأى عن منتِجه. هذه الخلاصات الحديثة، ابنة القرن العشرين، خلاصات عربية قديمة ذات صلة، ربما، بالقرآن، إذ المؤلف المحتجب يقدم نصه للبشرية فينتقل النص من الإلهي للبشري. وهي فكرة ليست ببعيدة إذا التفتنا لتشارك المؤلف الإلهي والمؤلف البشري في اختيار كل منهما للكتابة كطريقة للتواصل مع الناس، وإذا التفتنا إلى أن النص، أي نص، يكتسب أهميته من قراءته، وهو ما يفسر اكتساب الليالي لأهمية كبرى حين قُرئ بلغة غير العربية وحين جاء عرب في أزمنة حديثة وانتبهوا لما يحويه الكتاب من فن عظيم. المؤلف، إذن، لو اتبعنا بارت، يبقى خارج السياق التأويلي، ما يمنح للنص حرية أكبر للتأويل.

 الفارق هنا، بين كتاب الليالي وكتب تراثية أخرى، أن المؤلف لم يجمع الكتاب وينفي تأليفه عنه (وربما فعل ذلك في البداية ثم سقط اسمه في طبعات تالية) بل نحن أمام نص واحد تفرقت مخطوطاته قبل زمن المطبعة ثم ذُكر على أنه كتاب مجهول المؤلف. لمد الخيط على استقامته، علينا أن نتخيل كتبًا أخرى، فليكن “الأدب الصغير”. هل يمكن أن نقول إنه كتاب مجهول المؤلف لأن الجاحظ أكد في بداية الكتاب أن لا فضل له سوى جمعه؟ من ناحية أخرى، هل يجب أن نصدق عبد الله بن المقفع حين يقول إن “كليلة ودمنة” مجرد ترجمة لكتاب هندي؟ بل إن الليالي نفسها، فيما تواتر حولها، لم تكن إلا نقلًا لحكايات فارسية، فهل يجب أن نصدق في وجود حكايات أخرى فارسية استلهمتها الليالي العربية؟ أين هي؟ وكيف لم تظهر إلى الآن؟ لماذا لا نفترض أنها محض”لعبة سردية”؟ لعبة تكررت كثيرًا في قصص بورخس حتى باتت أشهر تكنيكاته السردية.

مؤلفون محتملون

 في مقدمة الترجمة الإسبانية السابعة لألف ليلة وليلة (والصادرة منذ أشهر قليلة)، يتناول المترجم والمستعرب سلبادور بينيا حكاية الليالي من حيث أثرها في الآداب الغربية، بدايًة من روبين داريو (مؤسس الحداثة اللاتينية) وليس انتهاءً بماريو بارجس يوسا الذي أضاف لليالي عشر ليالٍ مُثّلت في عرض مسرحي على أحد مسارح مدريد منذ سنوات قليلة مضت، بالإضافة لتناول بينيا قصة الأصل والتكوين والتشكيل والتطور، وهي كلها عمليات متصلة بالكتاب السردي الأم.

 يعتقد سلبادور بينيا بأنه، إضافة للرواة المتجولين والشعبيين لحكايات الليالي، كان ثمة رواة من “أهل الأدب” المحترفين، ومن هنا يشير إلى أهمية الدور الذي لعبه أبو سعيد عبد الملك الأصمعي في “الليالي”. فالأصمعي الذي ولد ومات في البصرة في القرن الثامن والتاسع (828)، والذي لقّبه الرشيد بـ شيطان الشعر وكان أعلم أهل زمانه باللغة، لم يكن أحد جامعي الحكايات وناقليها فحسب، بل كان مؤلفًا أيضًا. يشير كذلك لـ أبو عبد الله الجهشياري (توفى 942) وكان أديبًا واسع الصيت وجمع جزءًا كبيرًا من الليالي، وكان من بين أعماله الشهيرة “كتاب الوزراء والكُتّاب” “أخبار المقتدر العباسي” و”أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم”. وفي العودة إلى الأصمعي، يشير بينيا لظهوره كشخصية رئيسية في الحكاية التي تبدأ في الليلة 686، ولا يستبعد أن يكون مؤلفًا لعدة حكايات، أو على الأقل كان في الدوائر التي أنتجتها، إذ، بالإضافة لظهوره كشخصية، تتناوله أيضًا الأبيات الأخيرة لقصيدة في الليلة 822 كأحد رواة الحكايات بامتياز. تأليفية الأصمعي لا تنفي انتماء الليالي إلى الثقافة الشعبية ولتظاهراتها الشفهية، لكنها تشير إلى الليالي كنص مكتوب بل ومترجم، يحتوي على سياقات أنثروبولوجية وسياسية كما يضم خطابًا دينيًا، كما هو الحال في الليالي من 899 إلى930، وهما تمثيل للعبة السردية التي تحوي خطابات ومناقشات: قصة يتوالد منها قصص أخرى محكية بهدف محدد، بحسب بينيا. “كتابية” الليالي لا تتنافى مع “شفاهيتها”، غير أن الأولى قد تكون سابقة على الثانية، ولأن الأولى وضعت في اعتبارها الثانية استخدمت أكثر العناصر جذبًا لآذان المستمع: الشعر، كما تمتعت بإيقاع سريع بحيث لا يجد الملل مخرجًا أثناء الاستماع. هل فعلت الكتابة ذلك من أجل الشفاهة؟ أم أن الشفاهة وجدت في الكتابة ضالتها دون سعي الكتابة لمغازلتها؟ الفرضيتان موجودتان بنفس القوة، وبنفس الضعف أيضًا. ما يلتفت إليه سلبادور بينيا في دراسته هو وجود “السيناريو المعد سلفًا” للحكاية، وكذلك “الوحدة الواحدة” للكتاب، وهو ما يرجّح أسبقية الكتابي، وهي أسبقية لا تتنافى مع استفادة المكتوب من الثقافة الشعبية، وهو ترجيح يفتح الباب للبحث عن مؤلف أو مؤلفين، كما يفتح الباب لقراءة ألف ليلة على ضوء التطورات التي خاضتها رواية القرن العشرين، ولن نبالغ، على ضوء ذلك، أن نعتبرها أول رواية حديثة سبقت “دون كيخوتيه” تاريخيًا وتكنيكيًا، بل إن عناصرها السردية من خطابات لسرديات صغيرة لنهايات دائرية غدت سمة من الروايات الحالية.

 لكن، كيف صنّفها النقد الغربي؟

 يشير سلبادور بينيا إلى أن تصنيف جالان لها كان “حكايات عربية” وهو التصنيف الذي أثّر في كل التصنيفات التالية في أزمنة مختلفة، فلم تستطع النجاة منه، إلا حديثًا. في عام 1999 أجرت مجلة نيويورك تايمز استفتاًء بين أسماء بارزة في تخصصات متعددة عن أهم المظاهر أو الأحداث التي جرت في مجالهم خلال القرن العشرين، فجاءت إجابة المؤلفة البريطانية A.S. Byatt بأن أفضل قصة في القرن العشرين هي قصة شهرزاد وشهريار، أي القصة الرئيسية في كتاب الليالي. مع ذلك، رأى المتخصصون أن وصف “رواية” قد يكون غير دقيق، إلا أن سلبادور بينيا، كما يؤكد في دراسته، لا يرى وصفًا أدق من وصف “رواية” لليالي حتى من منظور علم السرد، حتى وإن بدا غريبًا وصف عمل حدث وتطور في القرن الثاني عشر بأنه رواية. يستند في ذلك على تعريفات الرواية، من بينها تعريف ميشيل ويلبيك الذي يقول في بداية رواية له:”الصفحات التالية تكوّن رواية، بمعنى أنها سلسلة من الحكايات، بطلها هو أنا”. الخلافية التي تثيرها الليالي بتعريف ويلبيك يمكن اختصارها في البطل، فالبطل في الكتاب العربي، سواء شهرزاد باعتبارها الساردة أو شهريار باعتباره المتحكم والمسرود عليه، مجرد بطل غير متحرك، فيما تخص الحكايات أبطالا آخرين. “الحركة” أو “حركة البطل” عامل لا يمكن تجاهله في الرواية، من هنا تأتي أهمية ملاحظة المستعرب النمساوي جوستاف جونبروم عن الفرق بين الرواية الإغريقية والرواية الحديثة، فالأولى تتمركز في الأحداث، فيما تتمركز الثانية في التطور الإنساني والتحولات، بحسب استشهاد بينيا. لكن “الحركة” تتحقق في ألف ليلة، بحسب ريتشارد لووين، سواء الحركة المكانية أو الزمانية أو النفسية، ما يدفع بينيا للتساؤل: هل يمكن استخلاص أن الليالي عمل قريب جدًا من رواية التشويق النفسي لكنها، أيضًا تدور في سياق إسلامي ما قبل حديث؟ سؤال بينيا، المنتصر لتصنيف العمل كرواية، يأتي كخلاصة لمقترح جونبروم، غير أنه بتدقيق النظر، فألف ليلة تحتوي على حركة ديناميكية لا تنتهي، وعدم تركيزها على بطل واحد مثّل جزءًا من فلسفتها، إذ كان الكتاب يطمح أن يكون مجازًا للوجود الإنساني، وهو ما التفت إليه فرناندو بيسوا وبروست، ولم يكن تأثيره على الآداب العالمية إلا لكونه قادرًا على تقديم استعارة للعالم، وهي الاستعارة المتحققة بالحركة وتعدد الأبطال، بل والأدق من ذلك قول “حركة الأبطال المتعددين وتطورهم” إذ لا تقف الحكاية عند سرد جزء خاطف في حياة بطل عابر، بل تتعمق الحكاية فتصير قابلة لقراءتها منفردة من ناحية، كما يمكن قراءتها في سياق العمل كاملًا كقطعة موزاييك، وهذا ما قد يفسر أن يكون عدد الليالي ألف وواحدة، فيما عدد الحكايات لا يتجاوز المائتين وخمسين. وإذا كانت الرواية الحديثة تروم كشف الذات الإنسانية والتعمق في أزماتها، فهذا تحديدًا ما فعلته الليالي، مع كل الأبطال ومع كل بطل على حدة.

 في النهاية، يختم بينيا دراسته بوصف كتاب الليالي بأنه “رواية شهرزاد”، وهي الرواية التي لم تفقد أهميتها على مر السنين، بل أن عذوبتها تزداد مع مرور الوقت، ولعل القرن الـ 21 سينصفها أكثر من القرون السابقة.

مقالات اخرى للكاتب

– See more at: https://www.alaraby.co.uk/diffah/secondbank/2017/2/27/%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B6%D9%88%D8%A1-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB%D8%A9-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85#sthash.yWQYznAf.dpuf

مقالات ذات صلة

إغلاق