الجاهلية — الجزء الثاني عشر جودة الشعر وكثرته… حدود الحكم على الشاعر
الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

كيف يحكم الناقد على شاعر إذا لم يصل إليه من شعره إلا القليل؟ وهل تكفي قصيدة بالغة الجودة لإثبات منزلة صاحبها، أم يحتاج الحكم إلى مادة أوسع تكشف عن قدرته الشعرية؟
تضعنا أحكام ابن سلام الجمحي في كتاب «طبقات فحول الشعراء» أمام هذه المسألة، وتكشف أن تقويم الشاعر يرتبط بما وصل من شعره، وبالقيمة التي يراها الناقد في النصوص المتاحة له.
فقد وضع ابن سلام طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وعدي بن زيد في الطبقة الرابعة، وأشار إلى أن موضعهم مع الأوائل، وأن الذي أخّرهم قلة الشعر الذي بأيدي الرواة. ومع ذلك، لم تتطابق أحكامه التفصيلية عليهم.
يصف طرفة بأنه أشعر الناس قصيدة، ويذكر له قصيدة أخرى تماثلها، ثم يشير إلى أن له بعدها قصائد حسانًا جيادًا. أما عبيد بن الأبرص، فيصفه بأنه قديم عظيم الذكر والشهرة، لكنه يرى شعره مضطربًا، ويصرّح بأنه لا يعرف له إلا قصيدة معينة، ولا يدري ما وراءها.
والفرق بين الحكمين مهم؛ فقلة الشعر المروي لا تمنع الناقد من التمييز بين قيمة النصوص التي وصلت إليه. وقد أثبت ابن سلام لطرفة أكثر من شاهد على جودة شعره، بينما عبّر في حديثه عن عبيد عن حدود ما عرفه من شعره، إلى جانب حكمه على النصوص التي اطّلع عليها.
ولا يتيح لنا هذا أن نجزم بأن ما لم يصل من شعر عبيد كان ضعيفًا، كما لا يجيز لنا افتراض أنه كان جيدًا. فالمادة الغائبة لا تصلح دليلًا لأي من الحكمين.
وتتضح المسألة من زاوية أخرى في وصف ابن سلام المخبل السعدي بأنه شاعر فحل، وأن له شعرًا كثيرًا جيدًا. ففي هذا الحكم اجتمعت وفرة الشعر وجودته، من غير أن تصبح الكثرة وحدها دليلًا على التفوق.
تكشف هذه الأمثلة أن جودة الشعر وكثرته أمران متصلان، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فكثرة النصوص تتيح للناقد مجالًا أوسع للموازنة، لكنها لا تضمن جودة كل ما قاله الشاعر؛ وقد تبلغ قصيدة واحدة منزلة عالية، من غير أن تكفي وحدها للحكم على تجربة صاحبها كلها.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين شعر الشاعر في تجربته الأصلية، وما وصل منه عبر الرواية، وما استطاع الناقد تقويمه استنادًا إلى النصوص المتاحة. فهذه المستويات متصلة، لكنها لا تتطابق بالضرورة.
وتكمن أهمية أحكام ابن سلام في أنها تكشف جانبًا من العلاقة بين المادة الشعرية المتاحة والتصنيف النقدي. غير أن فهم هذه العلاقة لا يقتضي قبول أحكامه دون فحص، ولا رفضها بسبب احتمال ضياع نصوص أخرى؛ بل يقتضي قراءة حججه في ضوء الشواهد التي استند إليها، مع الانتباه إلى حدود ما يمكن إثباته.
فحين نقرأ تاريخ الشعر الجاهلي، لا يكفي أن نسأل عن أجود الشعراء أو أكثرهم شعرًا؛ بل علينا أن نسأل أيضًا: ما مقدار المادة التي استند إليها الحكم، وما الذي تسمح لنا هذه المادة بإثباته؟
يتبع الجزء الثالث عشر: الشعر المروي والشعر المفقود… ما الذي نستطيع الحكم عليه؟


