رحيل رجل المؤسسات وأبي الأيتام: في وفـاة الشيخ ك. ك. مَمُونّي مَولوي رحمه الله
بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي
«إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك لمحزونون.»
بقلوب يملؤها الأسى والتسليم بقضاء الله وقدره، أنعى -أنا المدعو عبد الحفيظ الندوى – إلى الأمة الإسلامية والعربية عَلَماً بارزاً من أعلام العمل الخيري والإنساني، ورئيساً جليلاً من رؤسائها، وأباً حانياً للأيتام، وقامة شامخة من قامات البذل والعطاء؛ المغفور له بإذن الله تعالى: سماحة الشيخ / ك. ك. مَمُونّي المَولوي.
لقد ترجل عن صهوة الحياة داعية جليل، ومربٍ فاضل من كبار الشخصيات التي طبعت العمل الإسلامي والاجتماعي في ولاية كيرلا ببصمات خالدة لا تمحى، عرجت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد عمر مديد حافل بالتضحية والعطاء في خدمة الدين والمجتمع، تاركاً خلفه إرثاً إنسانياً وحضارياً يصعب تعويضه.
مولده ونشأته العلمية
وُلِد الفقيد رحمه الله عام 1944 في منطقة “مُولّياكورشي” بمديرية مالابورام، لنشأة باركها الإيمان والتقوى، من أب كريم يدعى “محمد”، وأم فاضلة تدعى “مريا كوتي”. وقد نهل من علوم الشريعة وغذى روحه في الصرح العريق لـ الكلية الإسلامية بشانتابورام، حيث درس بين طياتها في الفترة ما بين 1955 و1965، متتلمذاً على أيدي الرعيل الأول، ونال منها شهاداتها العلمية الراسخة.
مسيرة حافلة بالدعوة والخدمة المجتمعية
لم يكتفِ الشيخ مَمُونّي بالعلم النظري، بل سارع لترجمته في ميدان العمل؛ فعمل إماماً ومعلماً في تشاواكاد (موتوفاتور)، وتولى إدارة مدرسة البنات في موفاتوبوژا بكل اقتدار. وفي عام 1977، انطلق في مسيرة عطاء مباركة امتدت عقداً كاملاً مرشدا إقليمياً (ناظماً) للجماعة الإسلامية في عدد واسع من مناطق كيرلا. كما حمل أمانة المسؤولية الوطنية بعضويته الطويلة في مجلس الشورى الإقليمي والهيئة الوطنية لممثلي هذه الجماعة.
وتوالت مناصب العطاء؛ فتقلد سكرتارية صندوق الإرسالية الإسلامية في بيرينتالمانا، ومساعد قاضي محلة شانتابورام، فضلاً عن إدارته الحكيمة لمؤسسات كبرى كدار الأيتام في واداناباللي، وكان له الفضل الأبرز في التأسيس والدعم المستمر لمجلة “مالاروادي” ( الروضة) للأطفال، لتربية أجيال على حب الفضيلة والمعرفة.
بصمات راسخة في العمل الخيري والتنموي
عُرف الفقيد بسعيه الدؤوب وطوافه المستمر لتطوير البنية التحتية للمؤسسات التعليمية والخيرية، حيث نسج بحكمته شبكة واسعة من العلاقات مع أهل البذل والإحسان داخل الوطن وخارجه، جائلاً في دول الخليج العربي، وتركيا، وبنغلاديش. وتولى بحنكة واقتدار رئاسة مجالس إدارات صروح شامخة، منها:
١- مؤسسات باثيريبالا (بيت الشارقة الخيري).
٢- مؤسسات بيرومبيلابور (أنصار).
٣- دار الأيتام في واداناباللي.
٣- مؤسسات كيتشيري، وأزيكود، وتوفور، وغيرها الكثير.
ولم تتوقف جهوده عند حدود ولايته، بل امتدت بسواعده البيضاء لتشمل آفاقاً أوسع؛ حيث شغل منصب نائب رئيس مشروع “رؤية 2016” (الذي صار “رؤية 2026”)، فطاف قرى الهند النائية ومناطقها المحرومة، غارساً فيها بذور النور، ومقلاً للمراكز التعليمية، وبانياً للمساجد والصروح الخدمية.
خادم الأيتام وصانع الرجال
لم يكن مَمُونّي مَولوي خطيباً مصقعاً يقف على المنابر، ولا كاتباً مكثراً في تدوين الكتب، بل كان “رجل الميدان” الصامت الذي بنى الأجيال وصنع القادة والداعمين من خلف الكواليس. لقد أمضى أيامه ولياليه يلهث في خدمة الأيتام والمحتاجين، يمشى بين الناس متواضعاً في هندامه، بسّاماً في وجهه، قريب القلْب، حاملاً لواء العطاء بلا كلل ولا ملل، حتى أصبح دوحة طيبيعة تستظل بظلها آلاف الأرواح.
خاتمة مباركة وفراق أليم
قبل وفاته بأسبوعين، زاره إخوانه ومحبوه فرأوه صابراً محتسباً، يصارع المرض وصعوبة التنفس بشجاعة الرضا والتسليم. لقد غادرنا هذا الجبل الأشم تاركاً في قلوب الآلاف من الأيتام وطلاب العلم ومحبيه غصة الفراق، ولكن عزاءنا أنه غادر محملاً بأعظم زاد: دعوات صادقة من قلوب طاهرة، وسخاء أعمال تترى في ميزان حسناته.
وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتم في الجنة هكذا”، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى؛ فإننا نرجو لشيخنا الحبيب أن يلقى ربه كريماً مرفوع الهامة، وأن يجعله رفيقاً للمصطفى صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم.
«إنا لله وإنا إليه راجعون»،
ونسأل الله أن يخلف على الأمة والأيتام خيراً، وأن يتغمد فقيدنا العزيز بواسع رحمته وفسيح جناته.



