الرئيسية

رؤية ونهج تربوي: المحادثة الفردية بين المربي والطالب

شاعر الأمة محمد ثابت

رؤية ونهج تربوي: المحادثة الفردية بين المربي والطالب

د. غزال أبو ريا، مدير المركز القطري للوساطة، يدعو إلى اعتماد المحادثة الفردية الموجّهة كنهج تربوي لبناء الثقة وتعزيز العلاقات وخلق مناخ مدرسي مريح

من خلال تجربته الطويلة كمربٍّ، يرى د. غزال أبو ريا، مدير المركز القطري للوساطة، أن المحادثة الفردية بين المربي والطالب يمكن أن تكون أكثر من مجرد وسيلة لمعالجة مشكلة بعد وقوعها؛ فهي، في نظره، نهج تربوي ينبغي أن تتبناه المدرسة، وأن يصبح جزءًا من الممارسة التربوية لجميع المربين.

فالمحادثة بين المربي والطالب لا ينبغي أن تقتصر على الحالات التي تظهر فيها مشكلة، أو عندما يحتاج الطالب إلى التوجيه أو المحاسبة. بل من المهم أن تكون هناك محادثات منتظمة وموجّهة مع الطلاب، بغض النظر عن وجود مشكلة.

عندما تصبح المحادثة جزءًا من ثقافة المدرسة، فإنها تفتح المجال أمام المربي للتعرف إلى طلابه، وفهم عالمهم، والاستماع إليهم، وبناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام.

المحادثة نهج تتبناه المدرسة

يقترح أبو ريا أن تتبنى المدرسة نهج المحادثة الفردية الموجّهة، بحيث يخصص كل مربٍّ وقتًا للجلوس مع طلابه بصورة فردية، وبشكل دوري، وليس فقط عند حدوث مشكلة.

وهذا يعني أن المحادثة تصبح جزءًا من العمل التربوي، مثلها مثل التعليم والمتابعة والتقييم.

ويشمل هذا النهج جميع الطلاب، وليس فقط الطلاب الذين يواجهون صعوبات أو مشكلات، حتى يشعر كل طالب بأن له مساحة خاصة مع مربيه للتعبير والحديث.

وبهذه الطريقة، تنتقل المحادثة من كونها ردّ فعل على المشكلة إلى كونها أداة تربوية لبناء العلاقات وتعزيز التواصل.

التحضير للمحادثة

ويرى أبو ريا أن على المربي أن يحضّر للمحادثة مسبقًا، وأن تكون لديه معرفة عامة بالطالب من الناحية التعليمية والاجتماعية والتربوية.

لكن التحضير لا يعني الدخول بأحكام مسبقة، بل يساعد المربي على اختيار المدخل المناسب للحوار وفهم الطالب بصورة أفضل.

فالمربي الذي يعرف الطالب جيدًا يستطيع أن يجعل المحادثة أكثر عمقًا وفاعلية، وأن يلتقط إشارات قد لا تظهر داخل الصف.

أسئلة قليلة ومفتوحة

ويشدد أبو ريا على أهمية تقليل الأسئلة وعدم تحويل المحادثة إلى استجواب.

فالمربي لا يحتاج إلى قائمة طويلة من الأسئلة، وإنما إلى أسئلة قليلة ومفتوحة تتيح للطالب أن يتحدث ويعبّر عن نفسه.

ومن الممكن أن يبدأ المربي بسؤال بسيط مثل:

«حدثني عن نفسك، وكيف ترى وضعك وشعورك في المدرسة؟»

ومن إجابة الطالب يمكن أن يتطور الحوار بصورة طبيعية.

وهنا يصبح الاستماع أهم من كثرة الأسئلة. على المربي أن يمنح الطالب الوقت، وأن يصغي إليه دون مقاطعة أو أحكام سريعة، وأن يتابع حديثه بأسئلة مرتبطة بما يقوله.

فالهدف ليس الحصول على أكبر عدد من الإجابات، وإنما فهم الطالب وبناء علاقة حقيقية معه.

من المحادثة إلى بناء الثقة

ومن خلال تجربته كمربٍّ، يؤكد أبو ريا أنه لمس كيف يمكن للمحادثة الفردية أن تقرّب المسافة بين الطالب والمربي، وأن تفتح بابًا للثقة والتفاهم.

فعندما يشعر الطالب أن المربي لا يتواصل معه فقط عندما يخطئ، وإنما يخصص له وقتًا ليسمعه ويتعرف إليه، تتغير طبيعة العلاقة بينهما.

ويصبح المربي أكثر قربًا من الطالب، ويشعر الطالب بدوره أن المربي يهتم به كشخص، وليس فقط كطالب داخل الصف.

المحادثة والمناخ المدرسي

ويرى أبو ريا أن أثر المحادثة الفردية لا يتوقف عند العلاقة بين المربي والطالب، وإنما ينعكس على المناخ العام في المدرسة.

فعندما تسود المحادثة والاستماع والاحترام، تتشكل أجواء مدرسية أكثر راحة وطمأنينة، وتصبح العلاقات بين المربين والطلاب أكثر إنسانية وودية.

وهذه العلاقات الإنسانية الودية تخلق تقاربًا وتفاهمًا وتآلفًا بين المربين والطلاب، وتساعد على بناء مدرسة يشعر فيها الطالب بأنه جزء منها، وأنه موضع اهتمام واحترام.

ومن هنا تصبح المحادثة الفردية وسيلة مهمة لبناء مناخ مدرسي إيجابي ومريح، يقوم على التواصل والثقة والعلاقات الإنسانية السليمة.

المدرسة التي تعرف الطالب

ويرى أبو ريا أن المدرسة الناجحة ليست المدرسة التي تعرف علامة الطالب فقط، وإنما المدرسة التي تعرف الإنسان الذي يقف خلف العلامة.

ولهذا فإن اعتماد المحادثة الفردية كنهج مدرسي يتبناه جميع المربين يمكن أن يغيّر طبيعة العلاقة بين المدرسة والطلاب.

المحادثة هنا ليست تحقيقًا، وليست محاسبة، وليست إجراءً عقابيًا.

إنها مساحة تربوية وإنسانية للتعارف، والاستماع، وبناء الثقة، وفهم الطالب.

من تجربة د. غزال أبو ريا

ويؤكد د. غزال أبو ريا أن هذه الرؤية تنطلق من تجربته الطويلة في التربية.

فقد لمس، من خلال عمله كمربٍّ، أن المحادثة الصادقة والهادئة تقرّب الطالب من المربي، وتساعد على بناء علاقة أساسها الثقة والاحترام.

وهذه العلاقة تنعكس بدورها على علاقات الطالب مع زملائه وعلى المناخ العام في المدرسة.

لذلك فإن تبني المحادثة الفردية الموجّهة من جميع المربين، ومع جميع الطلاب، يمكن أن يكون خطوة عملية نحو مدرسة أكثر قربًا من طلابها، وأكثر دفئًا وإنسانية، يسودها الحوار والتفاهم والعلاقات الودية.

المحادثة تبني العلاقة قبل أن تعالج المشكلة

دور المربي لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب وعلاقته بالآخرين. وأول خطوة في ذلك أن يعرف المربي الطالب ويستمع إليه.

فالمحادثة ليست فقط لمعالجة المشكلة عندما تقع؛ المحادثة نهج تربوي مستمر، تتبناه المدرسة ويشارك فيه جميع المربين، لأنها تبني العلاقة والثقة، وتخلق مساحة للتفاهم والتقارب بين المربين والطلاب.

وعندما تصبح المحادثة جزءًا من الثقافة المدرسية، يمكن أن تسهم في خلق جو مريح في المدرسة، ومناخ تربوي إيجابي، وعلاقات إنسانية ودية تقوم على الاحترام والتفاهم والتآلف.

فالمدرسة التي يتحاور فيها المربي مع الطالب هي مدرسة تقترب من طلابها، وتفهمهم، وتمنحهم شعورًا بالأمان والانتماء.


عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى