أخبار منوعة

من تونس إلى الجزائر.. تضامن شعبي في مواجهة مأساة الحرائق

الإعلامي التونسي المعز بن رجب

لم تكن صور الحرائق التي اجتاحت عدداً من المناطق الجزائرية مجرد مشاهد عابرة في وجدان التونسيين، بل حملت معها حزناً عابراً للحدود، أعاد إلى الواجهة عمق الروابط الإنسانية والشعبية التي تجمع تونس والجزائر، وتؤكد أن المآسي الكبرى لا تعترف بالحدود السياسية.

وفي خضم هذه الظروف الأليمة، برزت مواقف التضامن من مؤسسات المجتمع المدني التونسي، ومن فعاليات رياضية ونقابية وإعلامية وشعبية، تعبيراً عن مشاعر الأخوة والمساندة للشعب الجزائري، وعن وقوف التونسيين إلى جانب أشقائهم في لحظة تختبر فيها المجتمعات قدرتها على التكاتف ومواجهة الكوارث.

وتأتي التعزية التي أصدرتها الاتحادية الجزائرية للرياضة والعمل في سياق هذا المشهد الإنساني، إذ عبّرت عن بالغ حزنها إزاء ضحايا الحرائق، وقدمت تعازيها إلى عائلات المتوفين، متمنية الشفاء للمصابين، ومشيدة في الوقت نفسه بجهود الحماية المدنية وأفراد الجيش الوطني الشعبي والمواطنين المتطوعين الذين يوجدون في الصفوف الأولى لمواجهة النيران وحماية الأرواح والممتلكات.

ولعل اللافت في البيان ليس فقط إعلان الحداد وتجميد الأنشطة الرياضية خلال أيامه، وإنما تلك الرسالة التي تتجاوز المجال الرياضي إلى معنى أوسع: حين تقع الكارثة، تتقدم الإنسانية على كل شيء آخر.

تونس.. ذاكرة مشتركة مع الجزائر

في تونس، لا يُنظر إلى الجزائر باعتبارها دولة مجاورة فحسب، وإنما باعتبارها بلداً شقيقاً تربطه بالتونسيين روابط تاريخية واجتماعية وثقافية متجذرة. فالحدود التي تفصل البلدين على الخريطة لم تمنع يوماً حركة المشاعر والزيارات والعائلات والمصالح المشتركة بين الشعبين.

ولهذا، فإن المآسي التي تصيب الجزائريين تجد صداها سريعاً في الشارع التونسي، حيث تختلط مشاعر الحزن بالدعاء للضحايا والمصابين، وبالأمل في أن تتمكن فرق الإنقاذ والمتطوعون من السيطرة على الحرائق وحماية ما تبقى من مناطق مهددة.

وفي مثل هذه اللحظات، يستعيد التونسيون والجزائريون صورة أخرى للعلاقة بين البلدين؛ صورة تقوم على التضامن المتبادل، وعلى إحساس شعبي راسخ بأن ما يؤلم أحد الشعبين لا يمكن أن يكون بعيداً عن وجدان الآخر.

تحية إلى من يقفون في الصفوف الأولى

وبقدر ما تحمل الحرائق من مأساة، فإنها تكشف أيضاً وجهاً آخر من وجوه التضامن الإنساني.

هناك رجال ونساء يواجهون النيران في ظروف قاسية، وعناصر من الحماية المدنية والجيش ومتطوعون يخاطرون بحياتهم من أجل إنقاذ الآخرين. هؤلاء لا يظهرون في مقدمة المشهد بحثاً عن الأضواء، وإنما يؤدون واجباً إنسانياً في أصعب الظروف.

ومن تونس، تتجه التحية إلى كل من وقف في الميدان، وإلى العائلات التي فقدت أبناءها وأحبتها، وإلى المصابين، وإلى كل جزائري يعيش هذه الساعات الثقيلة.

حين تتحدث الشعوب بلغة واحدة

تثبت مثل هذه المحن أن العلاقات بين الشعوب لا تُقاس فقط بالاتفاقيات والزيارات الرسمية، وإنما بما يظهر بينها في أوقات الشدة.

فالتضامن التونسي مع الجزائر ليس موقفاً عابراً تفرضه مناسبة حزينة، وإنما امتداد لعلاقة شعبية ضاربة في التاريخ، ولإحساس مشترك بالانتماء إلى فضاء مغاربي تتقاطع فيه الذاكرة والتقاليد والمصير.

وفي مواجهة المأساة، تبدو الرسالة القادمة من تونس واضحة: الجزائر ليست وحدها.

فخلف الحدود، شعب تونسي يتابع بقلق، ومجتمع مدني يعبّر عن تضامنه، وقلوب تدعو للضحايا بالرحمة، وللمصابين بالشفاء، وللجزائر وشعبها بالأمن والسلامة.
مدير مكتب منظمة همسة السماء الثقافية الدولية و مقرها الدنمارك بتونس يعلن تضامنه التام و مسانتده المطلقة للشعب و الحكومة الجزائرية .
وفي النهاية، تبقى الكوارث امتحاناً للإنسانية قبل أن تكون امتحاناً للدول، وفي هذا الامتحان تحديداً تظهر قيمة التضامن الحقيقي؛ تضامن لا يحتاج إلى كثير من الكلمات، لأن وجع الشقيق يكفي أحياناً لكي يفهمه الشقيق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى