ضفاف الـمَجْدِ وَنُورِ الفِكْرِ: قِرَاءَةٌ فِي مِحْرَابِ العَطَاءِ لِلأُسْتَاذَةِ الدُّكْتُورَةِ فَاطِمَة أَبُو وَاصِل اِغْبَارِيَّة بقلم: عيساوي فاطمة
الأستاذة عيساوي فاطمة
على ضفاف الـمَجْدِ وَنُورِ الفِكْرِ: قِرَاءَةٌ فِي مِحْرَابِ العَطَاءِ لِلأُسْتَاذَةِ الدُّكْتُورَةِ فَاطِمَة أَبُو وَاصِل اِغْبَارِيَّة
بقلم: عيساوي فاطمة

إِنَّ حُبَّ الثَّقَافَةِ لَيْسَ تَرَفاً فِكْرِيّاً نَتَغَنَّى بِهِ، وَلَا زِينَةً لَفْظِيَّةً نَتَحَلَّى بِهَا، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ مُقَدَّسٌ، وَرِسَالَةٌ عَمِيقَةٌ نَسْعَى إِلَيْهَا بِأَقْدَامِ العَزِيمَةِ وَقُلُوبٍ يَمْلَؤُهَا اليَقِينُ. وَمَا كَانَ لِمِنَصَّةِ “هَمْسَةِ نِتْ الثَّقَافِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ” إِلَّا أَنْ تَكُونَ شَمْساً تَشُقُّ غَيَاهِبَ المَسَافَاتِ، وَتَخْتَرِقُ سُجُوفَ الصَّمْتِ، لِتُرِيَنَا وَهَجاً مَعْرِفِيّاً بَاهِراً، وَبَهَاءً فِكْرِيّاً غَامِراً، يَسْتَوْعِبُ كِيَانَ الإِنْسَانِ بِأَكْمَلِهِ، وَيَحْتَضِنُ كُلَّ مَا تَرْنُو إِلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ شُمُوخٍ وَإِيمَانٍ.
إِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِكَايَةٍ تُسْرَدُ، أَوْ سِيرَةٍ تُنْشَرُ، بَلْ هِيَ مَلْحَمَةُ إِنْسَانَةٍ حَوَّلَتِ الكَلِمَةَ إِلَى نَبْضٍ، وَالحَرْفَ إِلَى حَيَاةٍ؛ لِتَحُثَّنَا عَلَى أَنْ نَنْفُضَ غُبَارَ الرُّكُودِ، وَنَذْهَبَ بَعِيداً نَبْحَثُ فِي كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، وَبَيْنَ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، عَنْ كُلِّ مَا يُلَبِّي طُمُوحَاتِ الأَنْفُسِ الحَيَّةِ، وَيَفْتَحُ لِلْأَجْيَالِ الصَّاعِدَةِ أَوْسَعَ الآفَاقِ. لَقَدْ تَمَكَّنَتْ بِرُؤْيَتِهَا الثَّاقِبَةِ، وَبَصِيرَتِهَا النَّافِذَةِ، مِنْ أَنْ تَسْتَوْعِبَ اِحْتِيَاجَاتِ المُثَقَّفِينَ، وَتَفْهَمَ مَيُولَهُمْ وَمَنَاحِي تَفْكِيرِهِمْ، فِي ظِلِّ قَدَاسَةِ الإِنْسَانِ وَعُنْفُوَانِهِ، وَتِلْكَ الطُّمُوحَاتِ العَظِيمَةِ التِي لَا تَرْضَى بِغَيْرِ النُّجُومِ سَكَناً، وَلَا بِغَيْرِ التَّمَيُّزِ مَوْطِناً وَمَسْكَناً.
إِنَّ الدُّكْتُورَةَ فَاطِمَة أَبُو وَاصِل اِغْبَارِيَّة لَمْ تَدُقَّ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ الثَّقَافَةِ إِلَّا وَأَوْرَقَتْ عَتَبَاتُهُ خُضْرَةً وَجَمَالاً، وَلَا وَطِئَتْ قَدَمُهَا صَرْحاً عِلْمِيّاً إِلَّا وَأَلْهَمَتْ رُوَّادَهُ لِيَكُونُوا مَنَارَاتِ هُدَىً وَأَعْلَامَ رَشَادٍ. فَتَحَتْ لَهُمْ مَنَازِلَ الِابْدَاعِ المَوْصُولِ، وَسَابَقَتْ بِهِمْ رِيَاحَ الِابْتِكَارِ المَقْبُولِ، لِتَنْطَلِقَ بِهِمْ مِنْ ضِيقِ الأُطُرِ المَحَلِّيَّةِ إِلَى رُؤًى أَكْثَرَ رَحَابَةً وَانْفِتَاحاً عَلَى مَحَافِلِ العَالَمِ الفَسِيحَةِ. فَهِيَ لَا تَعْرِفُ لِلْمُسْتَحِيلِ مَعْنَىً، وَلَا تَرَى فِي العَقَبَاتِ إِلَّا دَرَجَاتٍ تَصْعَدُ بِهَا وَبِمَنْ مَعَهَا نَحْوَ عِلْيَاءِ المَجْدِ.
وَفِي سَعْيِهَا الأَنِيقِ لِتَسْطِيرِ المَوَاعِيدِ الرَّفِيعَةِ وَالمَنَاشِطِ البَدِيعَةِ؛ مِنْ بَرَامِجَ حَافِلَةٍ تَبُثُّ النُّورَ، وَلِقَاءَاتٍ بَاهِرَةٍ تَجْلِي الدُّجُى، وَمُؤْتَمَرَاتٍ وَنَدَوَاتٍ أَكَادِيمِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ لَهَا وَزْنُهَا الثَّقِيلُ وَرَصَانَتُهَا العَالِيَةُ؛ تَظَلُّ تَبْذُلُ جُهُوداً جَبَّارَةً كَأَنَّهَا السَّيْلُ العَرِمُ فِي قُوَّتِهِ، وَالضِّيَاءُ النَّاعِمُ فِي رِقَّتِهِ. تَعْمَلُ بِلَا كَلَلٍ، وَتَسْعَى بِلَا مَلَلٍ، لِرَفْعِ رَايَةِ “مُنَظَّمَةِ هَمْسَةِ سَمَاءِ الثَّقَافَةِ الدَّوْلِيَّةِ” وَتَحْقِيقِ أَهْدَافِهَا النَّبِيلَةِ، وَهَذَا لَعَمْرِي هُوَ دَيْدَنُ كُلِّ مُنَاضِلٍ شَرِيفٍ، وَمُحِبٍّ لِلْإِنْسَانِيَّةِ وَالعِلْمِ، يَضَعُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ أَنْ تَظَلَّ أَرْضُ الطُّمُوحَاتِ خَصْبَةً مِمْطَارَةً، لَا يَمَسُّهَا جَفَافُ الإِهْمَالِ، بَذْرُهَا نَادِرٌ، وَسَقْيُهَا صَافٍ، وَثِمَارُهَا اليَانِعَةُ مَحَبَّةٌ خَالِصَةٌ، وَسُمُوٌّ بِالإِنْسَانِ نَحْوَ غَدٍ مُشْرِقٍ بَاسِمٍ.
فَأَلْفُ تَحِيَّةِ إِكْبَارٍ، وَأَطْوَاقُ شُكْرٍ وَفَخَارٍ، لِهَذِهِ البَطَلَةِ الطَّمُوحَةِ وَالسَّيِّدَةِ المَمْنُوحَةِ جَمِيلَ المَزَايَا، التِي نَثَرَتْ أَعْمَالَهَا كَـأَقْمَارٍ بَاهِرَةٍ تُرَصِّعُ جَبِينَ الكَوْنِ، وَبَثَّتْ بَهْجَةَ المَعْرِفَةِ، وَرَقْرَقَةَ الحَرْفِ، وَنُورَ الكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ فِي كُلِّ قَلْبٍ وَأُذُنٍ وَمَكَانٍ. سَتَظَلُّ خُطَاكِ نِبْرَاساً، وَسَيَبْقَى صَنِيعُكِ فِيكِ وَفِينَا تَاجاً يُزَيِّنُ هَامَاتِ الثَّقَافَةِ وَالأَدَبِ.


المهندس عبد الحفيظ إغبارية




