نشاطات

العرس الفلسطيني / بقلم علي الشافعي

ى
ت
عرس وطني بامتياز ذلك هو العرس الفلسطيني , والعرس الفلسطيني مصطلح يطلق على موسم من مواسم الخير والبركة , من اشهر مواسم الارض الطيبة المباركة , انه موسم جني ثمار الشجرة التي بارك الله فيها , واقسم بها , وضرب بنور المصباح الموقد من زيتها مثلا لنوره جل شانه . انها شجرة الزيتون . فلأهل فلسطين طقوس خاصة في هذا الموسم , اطلقوا عليه العرس الفلسطيني , ولكن قبل الحديث عن هذه الطقوس تعالوا نتحدث اولا عن اصل هذه الشجرة المباركة , واين تتواجد الان .
يعتقد ان تاريخ هذه الشجرة يعود إلى ما بين 5000 و 6000 سنة ومنشأها سوريا وفلسطين وجزيرة كريت , وقد بينت الدراسات الأثرية والجيولوجية المبنية على ترسب حبوب الطلع , في منطقة أيبلا الوقعة قرب مدينة حلب في سوريا ’ أن أشجار الزيتون كانت موجودة في تلك المنطقة منذ أكثر من 6000 سنة ، كما دلت الحفريات والألواح الحجرية على أقدم علاقة تجارية بين إيبلا وإيطاليا ، دليل ذلك العثور في حفريات إيبلا على أكثر من جرة زيت إيطالية الصنع . ثم انتقلت زراعته إلى واليونان وإيطاليا , فالمغرب العربي ومنه إلى إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا . ويتركز إنتاج الزيتون اليوم في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط , حيث تقع أكبر 10 بلدان منتجة للزيتون على سواحله ، يشكل إنتاجها مجتمعة 95% من الإنتاج العالمي للزيتون . ويعتقد أن أقدم شجرة زيتون في العالم مازالت موجودة في فلسطين , على تلال القدس الجنوبية ويطلق عليها السكان اسم شجرة سيدنا أحمد البدوي ، ويزيد عمرها عن 5500 عام , وقطرها اكثر من عشرين مترا . وأحمد البدوي شيخ صوفي شهير عاش في مصر ، وكان له أتباع كثر في فلسطين , وتعتبر زيتونة أحمد البدوي وقفاً إسلامياً ، رغم أنها تقع الآن ضمن ملكية فردية .
ويبدأ موسم قطاف الزيتون في فلسطين اعتباراً من منتصف شهر تشرين اول أكتوبر ,ويستمر الموسم نهاية شهر كانون الاول . وينظر الفلسطينيون إلى هذا الموسم على أنه من الأعياد الوطنية , حيث يحرص جميع أفراد الأسرة على المشاركة فيه ، كرمز للصلة بينهم وبين الأرض , وتعبيراً عن الصمود والهوية الوطنية . ويشارك في هذا الموسم الأطفال وكبار السن والنساء , في لوحة فنية تعاونية غاية في الروعة والجمال , يكملها قيام وزارة التربية والتعليم والجامعات بإعطاء الطلاب إجازات خاصة , لمشاركة أهاليهم في في هذا العرس الوطني الجميل . حيث يعد الزيتون مصدر رزق أساسي وثانوي لأكثر من 100 ألف عائلة فلسطينية .
يبلغ عدد أشجار الزيتون بحسب احصاء وزارة الزراعة الفلسطينية 30 مليون شجرة , ينتشر اغلبها على الرقعة الواقعة جنوب جنين مرورا بطولكرم ونابلس ( التي اخذ منها اشهر انواع الزيتون الفلسطيني النبالي حيث كانت تسمى في عهد الرومان نيوبولس ) الى رام الله , اضافة الى الجليل والساحل الفلسطيني , ثم الخليل وغزة .
في هذا العرس الكل مشغول , ريف وحاضرة , فأهل الريف ينشغلون بقطاف الثمار وعصرها , واهل الحاضرة من تجار واهالي مشغولون بشراء مونتهم السنوية منه , ويحرصون عادة على الشراء من الفلاحين مباشرة , خوفا من غش بعض التجار , فلكل مزارع زبائنه الذين يثقون بزيته ويستلذون طعمه .
قبل النزول الى الحقول لجني المحصول تجهز ادوات القطاف (الخراطة) بلهجتهم , وهي عبارة عن سلّم مزدوج , متصل من الاعلى (السيبة) , يصعد عليها شخصان متقابلان لتثبيته اثناء الخراطة , والجدادة ( عصا طويلة لخراطة الحب الذي لا تطوله الايدي) وحُرْجاية (كيس من القماش يربط وسط الشخص يضع فيه الحب , تلافيا لسقوطه على الارض وخدشه , خاصة المستعمل التخليل ) , وبساط وعدد من اكياس الخيش . واهل القرية في هذا الموسم على ثلاث فئات : فئة المُلّاك( اصحاب الحقول ), وغير الملاك فيخرطون عند الملّاك على الثلث , وفئة البُعّار يلتقطون ما بقي على الارض وبين السلاسل وما اختفى من الحب على الشجرة بين الاوراق بعد الخراطة , وهذا يوفر لهم على مدار الموسم مونتهم السنوية , وقد يبيعون ما زاد عن حاجتهم .
في الصباح الباكر يتوجه الناس الى الحقول جماعات جماعات واول ما يبدؤون به صباحهم كوبا من الشاي المعدّ على نار , توقد من حطب الزيتون , حيث ان له نكهة خاصة لا تعادلها اي نكهة اخرى , ثم يفرش البساط تحت الشجرة , ويصعد الرجال على السلالم وتخرط النساء الثمار عن الاغصان المتدلية التي تطولها ايديهن , ويبدا الصغار بالجول عن البساط , وسط الاغاني والاهازيج الشعبية منها :
علـــــــــــــــى دلعونـــــــــة وعلــــــــــــى دلعونــــــــــــة
زيتـــــــــون بـــــــــــــــلادي احلى مــــــا يكونــــــــــــا
زيتون بلادي واللوز الأخضر والميرامية ولا تنسى الزعتــر
وقراص العجــة لمـا تتحمـــر ما أطيب طعمها بزيت الزيتونا
يا ربي تشتي ونلبس طاقيـــة ونلبس كبود ونحمل شمسيــة
ونغني سوى يا فلسطينيـــــة دايم في بلادي خبز الطابونـــا
ومن اهازيج الاطفال
إمي راحت تتسوق وأختي بتخبز في الطابون
وستي عملتلي عجة بالبيض زيت الزيتـــــون
بعد ذلك يعبا الزيتون في الأكياس بعد فصل الحب الذي سيعدّ للتخليل (الرصيع) , ويؤخذ للمعصرة حيث يعجن بواسطة حجر اسطواني ضخم , كان يدار اولا بواسطة الدواب ثم بعد ذللك بالوقود السائل , والان في المعاصر الحديثة بالكهرباء بعد ذلك يعبا بعد ذلك يوضع في اوعية خاصو من الخيش ( القُفَّة) ويؤخذ للمكبس فالفرازة التي تفرز الزيت عن بقية السوائب , حيث يعبا في اوعية من الصفيح , وينقل للبيت بفرح غامر, وتحرص الاسرة اول ما يصل الزيت , ان تتحلق حول صحن كبير مليء بالزيت مع ارغفة خرجت لتوها من الطابون , او فرن الحطب البيتي مع كوب عن الشاي الساخن , في لقمة هنيئة شهية , شاكرين الله على هذه النعمة . وتنقل ايضا مخلفات العصير( الجفت ) الي البيت ليستخدم كوقود للتدفئة في الشتاء . بعد ذلك تبدا النسوة يتفنن بصنع الاكلات الشعبية التي تعتمد اصلا على زيت الزيتون كالمسخن والفطائر والبصامة وغيرها . وما زلت اذكر ايام الطفولة , حيث كنا ننتظر هذا الموسم بفارغ الصبر , كنا كل صباح عند ذهابنا للمدرسة نأخذ نصف رغيف من خبز الطابون , ونمر على المعصرة فيضعها صاحب الزيت تحت الفرازة مباشرة , فنلتهمه بكل فرح وابتهاج طعم والله لا ينسى , ساق الله على تلك الايام , تُرى هل تعود
ولأن الأمثال تتعلق بالذاكرة الشعبية , التي تعكس جزءًا هامًا من الهوية الوطنية فقد عبق قاموس الامثال الشعبية الفلسطينية بالأمثال المنسوبة لهذا الموسم مثل “أيام الزيت أصبحت أمسيت” و ”الزيتون شيخ السفرة”, “كول زيت وانطح الحيط “, “خلي الزيت في جراره تا تيجي أسعاره” وأيضًا “و”اللي أمه في البيت بوكل خبز وزيت” بمعنى من كانت أمه في البيت فلا خوف عليه , ويشير المثل أيضًا أن المرأة هي فارسة الأمن الغذائي وسيدته .
وبعد ـــ ابها السادة الكرام ـــ فعلى الفلسطينيين هذه الايام ؛ وهم يقومون بقطف الزيتون , ان ويواجهوا مخططات الاحتلال ومستوطنيه , الذين يصرون على مضايقتهم في هذا الموسم , باقتلاع الاشجار ومصادرتها ، والاعتداء على المزارعين ، ومنعهم من الوصول لحقولهم ، وذلك بإقامة ما يسمى بالجدار العازل , وسرقة ثمارهم وحرق أشجارهم , واسالة المياه العادمة من المستوطنات على مزارعهم , لإغراق الاشجار وبالتالي صعوبة فطف الثمار , ثم تلف الاشجار وموتها . فالسياسة التي تنتهجها دولة الاحتلال هدفها تغييب الثقافة الفلسطينية , المرتبطة بهذه الشجرة الضاربة جذورها مع جذور اهلها في الأرض والتاريخ منذ آلاف السنين . فمنذ 1967 اقتلع الاحتلال ما يزيد على مليون ونصف المليون شجرة زيتون , واحراق الاف الدنمات . طبتم وطابت اوقاتكم .

مقالات ذات صلة

إغلاق