أخبار منوعة

نهائيات كأس عيسات إيدير 2025-2026… حين تتحول المنافسة الرياضية إلى مساحة للزمالة والتضامن

الإعلامي التونسي المعز بن رجب

وهران – الجزائر | 2026

لم تكن نهائيات كأس الجزائر للرياضة والعمل «عيسات إيدير» لموسم 2025-2026 مجرد موعد رياضي آخر في روزنامة المنافسات الجزائرية، بل كانت محطة تختزل فلسفة أوسع للرياضة داخل عالم الشغل: المنافسة، والانضباط، وروح الفريق، والتعارف بين العاملين من مختلف القطاعات والمناطق.

وفي وهران، احتضنت الملاعب والمنشآت الرياضية أجواء نهائية اتسمت بالحماس والتنافس، قبل أن تنتهي إلى مشاهد التتويج والاحتفال والروح الرياضية، في صورة تعكس الوظيفة الاجتماعية التي تسعى الرياضة العمالية إلى ترسيخها.

وفي كرة القدم، حسم فريق كوندور اللقب بعد فوزه في النهائي على وداد آمال شراڨة بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، في المباراة التي احتضنها ملعب الحبيب بوعقل بوهران، في موعد تزامن مع الاحتفالات بالذكرى الرابعة والستين لعيدي الاستقلال والشباب في الجزائر.

لكن خلف النتيجة والكأس والأهداف، تبدو قصة أخرى أكثر أهمية: قصة مؤسسة رياضية جعلت من الرياضة وسيلة للتقارب بين العاملين، ومن المنافسة فضاءً لبناء علاقات إنسانية تتجاوز حدود المؤسسة والقطاع والولاية.

الاتحادية الجزائرية للرياضة والعمل… الرياضة في خدمة عالم الشغل

تضطلع الاتحادية الجزائرية للرياضة والعمل (FAST) بدور محوري في تطوير الممارسة الرياضية في أوساط العمال بالجزائر.

وتتمثل فلسفتها الأساسية في تشجيع وتعميم التربية البدنية والرياضة لفائدة العمال، والمساهمة في توفير الظروف الملائمة لتطوير الممارسة الرياضية داخل المؤسسات وعالم الشغل.

ولا تقتصر أنشطتها على كرة القدم، بل تمتد إلى عدد من الاختصاصات الرياضية، وتنظم تظاهرات وطنية ودورات وملتقيات وتكوينات تستهدف تطوير الممارسة الرياضية وتأهيل المؤطرين.

وتكشف روزنامة الاتحادية خلال السنوات الأخيرة عن تنوع واضح في أنشطتها، من مسابقات كرة القدم وكرة اليد وكرة السلة والكرة الطائرة، إلى ألعاب القوى والكرة الحديدية والشطرنج وغيرها.

وقد شهدت مهرجاناتها الوطنية مشاركة رياضيين من الجنسين ومن أعمار مختلفة يمثلون ولايات وقطاعات متعددة، بما يجعل الرياضة وسيلة للتعارف والتواصل داخل المجتمع المهني الجزائري.

وتؤكد تصريحات رئيس الاتحادية عبد الكريم شوشاوي أن الهدف لا يقتصر على تحقيق النتائج الرياضية، بل يتجاوزها إلى خلق فضاء يلتقي فيه العمال بعيداً عن روتين العمل، ويتبادلون الخبرات والعلاقات الإنسانية، في أجواء تقوم على الصداقة والروح الرياضية والاحترام المتبادل.

«عيسات إيدير»… اسم يرتبط بتاريخ الحركة العمالية الجزائرية

يحمل كأس «عيسات إيدير» اسماً ذا دلالة عميقة في الذاكرة الجزائرية.

فـعيسات إيدير يعد أحد أبرز رموز الحركة النقابية الجزائرية، وارتبط اسمه بتاريخ الاتحاد العام للعمال الجزائريين وبمرحلة النضال الوطني من أجل استقلال الجزائر.

ومن هنا، فإن إطلاق اسمه على إحدى أبرز المنافسات الرياضية العمالية في الجزائر يمنح البطولة بعداً رمزياً يتجاوز الجانب الرياضي البحت، ويربط الرياضة بقيم العمل والانتماء والتضامن والذاكرة الوطنية.

كما تحمل بعض المنافسات المنظمة في إطار الرياضة والعمل اسم «الحاج قاسم»، وهو ما يفسر اقتران الاسمين في عدد من التظاهرات الرياضية الخاصة بالعمال.

من الجزائر إلى إفريقيا والعالم

قوة تجربة FAST لا تكمن فقط في امتدادها الوطني، بل أيضاً في حضورها ضمن المنظومة الدولية للرياضة العمالية.

فالجزائر ممثلة عبر FAST في الأطر الدولية للرياضة العمالية، وقد ارتبط نشاط الاتحادية بمنظمات دولية وقارية، من بينها الكونفدرالية الرياضية الدولية للعمال والهواة CSIT، إضافة إلى المنظمة الرياضية للعمال والهواة الأفارقة OSTA.

وتشير المعطيات المنشورة إلى أن FAST معترف بها لدى OSTA منذ سنة 2016، كما احتضنت الجزائر عدداً من المؤتمرات والملتقيات القارية، ونظمت تظاهرات ذات بعد إفريقي ودولي، من بينها الألعاب الإفريقية الأولى للـOSTA سنة 2018 وفعاليات AfriSports.

ولم يتوقف الحضور الدولي عند الاجتماعات والمؤتمرات، بل امتد إلى تنظيم تظاهرات رياضية عابرة للحدود، مثل سباقات الصحراء والـTrail، التي استقطبت مشاركين من دول عديدة، وربطت الرياضة بالتبادل الثقافي والتعريف بالمقومات السياحية الجزائرية.

وفي هذا السياق، برز دور رئيس FAST عبد الكريم شوشاوي، الذي يشغل، وفق مقابلة منشورة معه، رئاسة الاتحادية منذ سنة 2008، إلى جانب مسؤوليات وأدوار في هياكل دولية وقارية للرياضة العمالية.

كما ارتبط اسمه بتنظيم فعاليات دولية في الجزائر، من بينها سباقات TREG، حيث تشير الجهة المنظمة إلى مساهمته وفريق FAST في الجوانب الإدارية والتنظيمية والعملية لهذه التظاهرات.

التكوين… الوجه الآخر للرياضة والعمل

ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها أيضاً اهتمام FAST بالتكوين.

ففي أبريل 2026، احتضنت ولاية أدرار دورة لتكوين منشطين رياضيين وحراس سباحة، بمشاركة نحو أربعين متربصاً، في إطار برنامج يهدف إلى تطوير الموارد البشرية القادرة على تأطير الأنشطة الرياضية وضمان شروط السلامة.

وهنا تبرز الرياضة العمالية باعتبارها منظومة متكاملة لا تكتفي بتنظيم المباريات، وإنما تستثمر كذلك في الإنسان: الرياضي، والمؤطر، والمنظم، والحكم، والمتطوع، وكل من يساهم في صناعة الحدث الرياضي.

وهران… صورة تختصر الرسالة

وعودة إلى نهائيات كأس عيسات إيدير 2025-2026، فإن الصور التي وثقت المنافسات في وهران تكشف أكثر مما يمكن أن تنقله النتيجة النهائية.

لقطات التنافس الشديد، لحظات الفرح، مشاهد المصافحة، الاحتفال، التكريم، وحتى لحظات خيبة الخاسر، كلها تشكل جزءاً من المشهد الحقيقي للرياضة.

فالانتصار في الرياضة لا يقاس دائماً بعدد الأهداف والألقاب؛ أحياناً يكون الانتصار الحقيقي في أن يلتقي أبناء قطاعات ومؤسسات ومناطق مختلفة في مكان واحد، وأن تتحول المنافسة إلى صداقة، والخصومة الرياضية المؤقتة إلى علاقة إنسا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى