ثقافه وفكر حر

نكبة الدين في اخلاق علمائه

هذا منذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة لم يكد يعلم أن أمير المؤمنين عبدالرحمن الناصر بنى مدينة (الزهراء) وصنع فيها الصرح الممرد واتخذ لقبته قراميد من ذهب وفضة حتى غضب لدين الله، وهاله تبذير الحاكم في مال الدولة بطريق غير مشروع، فرأى أنه هو المسؤول عن ذلك أمام الله، وأنه هو الذي يحق له أن ينهى عن هذا الإسراف المضر بمصالح المسلمين، فما هو إلا أن أظهر للناصر ألمه مما عمل وأخذ يؤنبه ويقول له ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يبلغ بك هذا المبلغ، ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله وفضلك به على العالمين، حتى أنزلك منازل الكافرين فاقشعر عبدالرحمن الناصر من قوله، وقال له: انظر ما تقول، كيف أنزلني منازلهم؟ قال : نعم أليس الله تبارك وتعالى يقول ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَ لِبُيُوتِهم أبوبا وَسُرُرًا عَليها يتكئون } (سورة الزخرف:٣٣-٣٤)فوجم الخليفة ونكس رأسه ملياً ودموعه تجري على لحيته خوفاً وتأثراً مما سمع، ثم أقبل على القاضي وقال : جزاك الله خيراً عنا وعن المسلمين ،والدين وأكثر فينا من أمثالك فالذي قلتَ والله هو الحق. وقام من مجلسه ذلك وهو يستغفر الله تعالى وأمر بنقض سقف القبة وأعاد قراميدها تراباً. أرأيت إلى سلطان الدنيا كيف يقف خاشعاً ذليلاً أمام سلطان العلم والدين ثم أرأيت كيف عرف هذا العالم واجبه فأداه على وجه يرضي الله ورسوله؟ ولو أن عالماً علماء الدنيا وقف موقفه لقال للخليفة الناصر : إنك عززت الإسلام وغظت أعداءه .
وإليك مثلاً آخر يريك كيف كان العالم يرى نفسه صاحب الأمر والنهي في الدولة حين يحيد عظماؤها عن سنن الحق وشرائع الدين. كان الملك الصالح إسماعيل يلي دمشق وكان الملك نجم الدين أيوب يلي مصر، وكان قاضي القضاة في دمشق سلطان العلماء العز بن عبد السلام، فبلغه أن الملك الصالح استعان بالإفرنج على ملك مصر على أن يسلم إليهم لقاء معونتهم «صيدا» وقلعة الشقيف وغيرها من حصون المسلمين، وأن الإفرنج دخلوا دمشق لشراء السلاح فشق ذلك على الشيخ وغم منه غماً شديداً، وأفتى الناس بتحريم مبايعتهم لأنهم يقاتلون به المسلمين، وامتنع عن الدعاء في الخطبة للملك الصالح، وقال في آخر خطبته قبل أن ينزل: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً ورشداً تعزّ فيه وليك وتذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك والناس يبتهلون بالدعاء والتأمين فبلغ الملك الصالح ما فعل الشيخ فغضب وعزله عن القضاء، فرحل الشيخ عن دمشق إلى مصر، وبينا هو في الطريق أدركته رسل الملك الصالح، وطلبوا منه الرجوع ليعود إلى منصبه على أن يعتذر للملك ويقبل يده، فقال لهم: والله ما أرضى أن يقبل يدي فضلاً عن أن أقبل يده. يا قوم أنتم في واد وأنا في واد ثم مضى حتى وصل إلى مصر فاستقبله ملكها وأمراؤها، وأسند إليه منصب القضاء، فأزال أموراً منكرة في الدين، ثم رأى أن أمراء الدولة من الأتراك لا يزالون أرقاء، وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فقرر بيعهم في وقت معين، وأعلن أنه لا يصح ولا شراء ولا نكاح ولا ،معاملة وأخيراً – بعد قصة طويلة – باعهم واحداً واحداً على الأمة وقبض أثمانهم وصرفها في مصالح المسلمين.. تلك والله هي العظمة، وذلك هو السلطان الذي يجعل أمراء الدولة خاضعين لحكمه يعرضهم للبيع واحداً بعد واحد وهم ساكتون لهيبة لهم بيع ملأ من
إخلاصه وزهده بما في أيديهم من عرض الدنيا؟! .
هذه زهرة من رياض أولئك العلماء الأتقياء نقدمها فواحة الشذى

كتاب آلام وآمال للسباعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق