
رسالة إلى أمي
تحيّة وبعد
في بيتنا، ومنذ أن كنتُ صغيرة، كانت هناك برندا أحبتها أمي، ست الحبايب
كانت مزَّينة بالزهور، مطليَّة بأجمل الألوان، وفي كل صباح تجلس فيها وتشرب قهوتها مع جاراتها المحببات إلى قلبها.
كانت البرندا شاهدة على مناسباتنا وأفراحنا.
الله يرحمك يما، كنتِ تبدئين تحضيرات أفراحنا بتزيين البرندا، استعدادًا لليلة الحناء
تحبين هذه الليلة وطقوسها الشعبية الجميلة، تجهزين المكان لاستقبال القرايب والحبايب، والجارات، بالزغاريد بصوتك الرنّان****وتقولين***:
“آه ويها، الحمد لله يلا”
“آه ويها وزالت الهموم ان شاء الله”
“آه ويها والماي على مجراها”
“آه ويها والنصر من عند الله”.
وتتعالى الأصوات بالمهاهاة والزغاريد، و الدبكة والرقص بصينية الحناء
وأنتِ يما تتوسطين الجميع بفستانك الأبيض وطلتك البهّية
***********
ومرّت الأيام، وكبرتِ أمي، وضعف جسدها، وأنهكها المرض، حتى جاء يوم فراقها.
آه يما!
وصلوا جاراتها وحبايبها للوداع، قومي يما استقبليهن،
لكنكِ قد رحلتِ، ورقدتي في صمت، لا تسمعين أصواتهن، اصطفين من حولكِ وكأنك عروس في ليلة حنّاها، آه يما،
مكلّلة بالزهور والحنا بيديكِ، وضعوكِ بوسط البرندا اللي أغلب قعداتك فيها
والجارات يستحضرن طيبتك وحنانك، كلماتهن لم تكن رثاء، بل شهادة محبّة لامرأة تركت أثرًا طيّبًا في قلوب الجميع.
وأنتِ يما نائمة في بحر الممات، كأنكِ في سفينة شراعية، تُبحر بكِ إلى دار الآخرة.
مبتسمة، وكأن شفتيكِ قد انفرجتا عن ابتسامة وداعٍ هادئة، بان سنكِ الذهبي، وأشرق وجهكِ بصفائه ونقائه.
كأنكِ تتجلّين في ليلة زفافكِ، لا لتُزفّين للدنيا، بل لدار الآخرة.
مزيّنة بإكليلكِ الوردي، والحناء في يديدكِ، ترقدين في نعشكِ
تطيرين على بساط الريح، مودّعة أحبابك، بصمت.
رحلتِ يما. وتركتِ البرندا والذكريات، وتركتِ قلوبًا لن تنسى طيبتكِ وحنانكِ
لعلك في رحلتكِ الأخيرة، كنتِ تقولين.
الحمد لله رضيتُ بما قسمه لي ربي، في هذه الدنيا، ولدار الآخرة خيرٌ وأبقى.
ستبقين يما الحكاية التي لا تنتهي.
والحناء التي لا تجف من ذاكرتي
رحمك الله وأسكنكِ فسيح جناته، وجعل قبركِ روضة من رياض الجنّة
ابنتكِ الحزينة على فقدانك
ازدهار عبد الحليم كيلاني
