فرض الحظر على احتجاج المسلمين الهنود بقلم.أ.د.عبد الحفيظ الندوي
نيودلهي: ألغت السلطات الأمنية في العاصمة الهندية نيودلهي للفعالية الاحتجاجية السلمية التي كان يعتزم “مجلس قانون الأحوال الشخصية المسلمة” تنظيمها في ساحة “جنتار منتار” الشهيرة يمثل تطوراً لافتاً يعكس تعقيدات المشهد الحقوقي والسياسي في البلاد. كانت المظاهرة تهدف إلى المطالبة بحماية الدستور الهندي وقانون الأحوال الشخصية الخاص بالمسلمين، وهو حق أساسي كفلته التشريعات الدستورية للجمهورية الهندية التي تقوم على التعددية والتنوع الثقافي والديني. وقد استندت السلطات الأمنية في قرار حظر الاحتجاج إلى مخاوف تتعلق باحتمال تدفق أعداد هائلة من المشاركين القادمين من دلهي ومختلف الولايات الهندية الأخرى، وهو ما رأت فيه الأجهزة الأمنية تحدياً محتملاً للاستقرار والنظام العام، مما أدى في النهاية إلى إعلان قيادة المجلس رسمياً عن إرجاء الفعالية التي كانت تحظى بتنظيم مكثف وترتيبات واسعة النطاق، وفقاً لما نقلته منصة “مسلم ميرور”.
لقد سبقت هذا القرار المحظور مساعٍ تنظيمية جادة وحثيثة من قبل القائمين على الحملة لضمان التزام الفعالية بالمعايير القانونية والأمنية؛ إذ توجه ممثلو المجلس إلى مركز شرطة “بارلمان ستريت” ثلاث مرات متتالية لتقديم الضمانات اللازمة. وأكد المتحدث الرسمي باسم المجلس والمنسق العام للحملة، الدكتور سيد قاسم رسول إلياس، في بيان رسمي، أن المنظمين قدموا تعهدات صريحة لكل من ضابط محطة الشرطة ومفوض الشرطة المساعد بأن أعداد الحاضرين ستبقى ضمن النطاق المسموح به قانوناً دون تجاوز للحدود المعتمدة في مثل هذه التجمعات السلمية. ورغم هذه المحاولات والشفافية التنظيمية، تمسكت الشرطة بموقفها متحججة بأن الدعوات للفعالية انتشرت بشكل مكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما ينذر بحشد جماهيري ضخم يصعب السيطرة عليه أمنياً في المكان المحدد.
من جانبه، أبدى مجلس قانون الأحوال الشخصية المسلمة اعتراضه الشديد ورفضه القاطع لقرار الشرطة، مشدداً على أن المحكمة العليا في البلاد طالما أكدت أن تنظيم الاحتجاجات السلمية في ساحة “جنتار منتار” يُعد حقاً دستورياً وقانونياً لا غبار عليه للمواطنين. ومع ذلك، ورغم قناعة المجلس بمشروعية موقفه، إلا أنه حرصاً على المصلحة العامة ومنعاً لأي احتكاك أو إشكاليات أمنية محتملة، وجّه نداءً عاجلاً إلى الجماهير الغفيرة التي كانت تنتوي المشاركة من دلهي ومختلف الولايات الهندية، طالباً منهم عدم السفر إلى العاصمة في الوقت الحالي ومقدماً اعتذاره عن أي إزعاج أو مشقة سببتها هذه التطورات المفاجئة. وفي السياق ذاته، أعلن المجلس عن عزمه تنظيم فعالية جماهيرية كبرى بديلة في العاصمة خلال الأيام القادمة، مشيراً إلى أنه سيتم الإعلان عن المكان الجديد والتاريخ المحدد لاحقاً فور استكمال الترتيبات الإدارية.
تأتي هذه الأحداث في سياق إطلاق مجلس قانون الأحوال الشخصية المسلمة لحملة جماهيرية ووطنية واسعة النطاق في شتى أنحاء البلاد تحت شعار “احموا حقوقنا، احموا شريعتنا، احموا دستورنا”. وأكد المجلس في أدبياته أن هذه الاحتجاجات لا تقتصر على كونها شأناً خاصاً بطائفة أو فئة معينة، بل هي نضال وطني ودستوري جامع يشمل كافة الحريصين على حماية المبادئ الجوهرية للجمهورية الهندية، والتي تشمل سيادة النظام الديمقراطي وسيادة القانون، وصانة الحريات الدينية والمساواة، والحفاظ على كرامة الإنسان والوحدة الوطنية، وترسيخ قيم السلام والتعايش والأخوة بين مختلف مكونات المجتمع.
وفي إطار توثيق التحديات الراهنة، كشف المجلس أنه بصدد إعداد “وثيقة بيضاء” شاملة وموثقة ترصد بدقة وحيادية كافة التجاوزات والانتهاكات التي يتعرض لها المسلمون والأقليات والشرائح الضعيفة والمهمشة في البلاد خلال السنوات الأخيرة. وتتطرق الوثيقة إلى مجالات متعددة تشمل الضغوط الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحالة الشعور المتزايد بانعدام الأمن والاستقرار. ومن المقرر أن يتم توزيع هذه الوثيقة وإرسالها إلى وسائل الإعلام المختلفة، ومنظمات حقوق الإنسان، والنخب الفكرية والبحثية، إضافة إلى نواب البرلمان والمؤسسات الرسمية والأهلية المعنية.
وقد سلط المجلس الضوء على مجموعة من القضايا المؤرقة التي أدت إلى تصاعد حالة القلق والشعور بالإقصاء، ومن أبرزها تصاعد حوادث العنف الجماعي والغوغائي، واللجوء المتكرر إلى عمليات هدم المنازل والمساجد والممتلكات الوقفية باستخدام الجرافات خارج إطار الأطر القانونية والإجرائية السليمة. كما أشار إلى الاستهداف المنهجي لدور العبادة والمساجد والمدارس الدينية والأضرحة، فضلاً عن عمليات الاستولي غير القانوني على أوقاف المسلمين والمقابر. وتتضمن بواعث القلق أيضاً تكرار حالات الاعتقال التعسفي بحق الشباب المسلم بناء على قضايا واهية، والتضييق المستمر على ممارسة الشعائر والحريات الدينية، إلى جانب محاولات تقويض قانون الأحوال الشخصية للمسلمين عبر الدفع بمشروع القانون المدني الموحد، والقرارات الرامية إلى فرض ممارسات معينة مثل إلزامية ترديد نشيد “وانديه ماتارام” بما يتعارض مع المعتقدات الدينية لبعض الأقليات.
وتتلخص الأهداف والمطالب الأساسية التي ترفعها الحملة في أربع نقاط رئيسية جوهرية: حماية قانون الأحوال الشخصية وصون الخصوصية القانونية والثقافية للمسلمين، ورفض مساعي فرض القانون المدني الموحد الذي يتعارض مع التنوع الديني، والصون التام للحقوق الدستورية التي تكفل المساواة وعدم التمييز، واحترام حرية المعتقد ووقف أي محاولات للنيل منها. وختاماً، دعا المجلس الجماهير في مختلف ربوع الهند إلى الاتحاد والاصطفاف من أجل العدالة والحفاظ على الحقوق والمستقبل المشترك، موضحاً أن الفعاليات الشعبية والمؤتمرات العامة ستتواصل بمشاركة نخبة واسعة من العلماء والقادة الدينيين والمفكرين والشخصيات السياسية والاجتماعية البارزة. وفي خطوة تصعيدية سلمية ومؤسساتية، سيقوم المجلس بصياغة مذكرة مطلبية شاملة ترفع إلى رئيس جمهورية الهند عبر حكام الولايات والإدارات المدنية في كل مقاطعة، لتأكيد المطالبة الملحة باتخاذ التدابير الضرورية لضمان سيادة القانون وحماية الحريات الدينية وصيانة حقوق الأقليات والمستضعفين في الدولة الهندية.



