مقالات

البيئة في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي: عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من معركة إنقاذ الكوكب

الإعلامي التونسي المعز بن رجب

لم تعد حماية البيئة قضية محلية تنحصر في غابة أو واحة أو شاطئ، كما لم يعد التغير المناخي ملفاً يخص الحكومات وحدها. في عصر العولمة، أصبحت الأزمات البيئية عابرة للحدود: انبعاثات دولة تؤثر في مناخ العالم، وتلوث نهر قد يعبر أكثر من دولة، واختفاء غابة قد ينعكس على التنوع البيولوجي ودورة المياه ومخزون الكربون على مستوى إقليمي ودولي.

وفي قلب هذا التحول تظهر التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي باعتبارهما من أهم الأدوات الجديدة في معركة حماية البيئة. لكن المفارقة أن التكنولوجيا التي يمكن أن تساعد البشرية على إنقاذ البيئة يمكن أن تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى مصدر جديد للضغط على الموارد والطاقة والمناخ.

من المراقبة التقليدية إلى البيئة الذكية

لسنوات طويلة اعتمدت حماية البيئة على المعاينات الميدانية والإحصائيات الدورية والصور الجوية المحدودة. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان جمع كميات هائلة من البيانات بواسطة الأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار، والطائرات المسيّرة، وإنترنت الأشياء، ومحطات قياس جودة الهواء والمياه.

وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي ليقوم بالدور الأكثر أهمية: تحويل هذه الكميات الهائلة من البيانات إلى معلومات قابلة للتحليل واتخاذ القرار.

فالخوارزميات تستطيع مثلاً تحليل صور الأقمار الصناعية لاكتشاف تغير الغطاء النباتي، ومراقبة إزالة الغابات، ورصد التصحر، وتحديد المناطق التي تعاني من الإجهاد المائي، بل والمساعدة على التنبؤ ببعض المخاطر المناخية.

وتؤكد الأمم المتحدة للبيئة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في مجالات عديدة، من مراقبة إزالة الغابات إلى تحسين كفاءة المباني والطاقة المتجددة، شرط أن تتحول البيانات إلى قرارات وإجراءات عملية.

الزراعة والماء: التكنولوجيا في مواجهة الندرة

تكتسب هذه التطبيقات أهمية خاصة في البلدان التي تواجه شحاً متزايداً في المياه.

فمن خلال تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الطقس ورطوبة التربة، يمكن للأنظمة الذكية تحديد احتياجات المحاصيل من المياه وتوجيه الري إلى المناطق التي تحتاج إليه فعلاً، بدلاً من استخدام المياه بطريقة موحدة قد تؤدي إلى الهدر.

وهذا التوجه يكتسب أهمية كبيرة في تونس، حيث تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن حوالي 80 في المائة من عمليات سحب المياه تستخدم في الزراعة والري، في حين بلغ نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة نحو 390 متراً مكعباً سنوياً سنة 2020، مع مستوى إجهاد مائي مرتفع جداً.

إن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد يمكن أن يجعل كل قطرة ماء أكثر قيمة.

إنذار مبكر للكوارث

يمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يتحول إلى نظام إنذار مبكر ضد الحرائق والفيضانات والجفاف والعواصف الرملية وبعض مظاهر التدهور البيئي.

والتجربة الدولية بدأت بالفعل في الانتقال من مرحلة جمع البيانات إلى مرحلة التدخل السريع. ففي يوليو/تموز 2026 أعلنت الأمم المتحدة للبيئة أن الذكاء الاصطناعي المستخدم ضمن نظامها لرصد انبعاثات الميثان يساعد على تحليل بيانات الأقمار الصناعية بسرعة أكبر وتحديد الانبعاثات الكبرى وإبلاغ الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وهذا المثال مهم لأنه يوضح أن قيمة الذكاء الاصطناعي البيئية لا تكمن في قدرته على “معرفة” المشكلة فحسب، بل في قدرته على تسريع الانتقال من الرصد إلى القرار، ومن القرار إلى الفعل.

لكن التكنولوجيا ليست بريئة بيئياً

غير أن الاحتفاء بالذكاء الاصطناعي باعتباره “منقذاً للبيئة” يجب ألا يقود إلى تجاهل كلفته البيئية.

فالأنظمة الرقمية تحتاج إلى مراكز بيانات تستهلك الكهرباء والمياه، كما أن تصنيع الأجهزة والخوادم والرقائق يحتاج إلى موارد طبيعية ومعادن وطاقة. وإلى جانب ذلك، يمثل النفايات الإلكترونية تحدياً عالمياً متزايداً.

وتشير الأمم المتحدة للبيئة إلى أن العالم ينتج عشرات ملايين الأطنان من النفايات الإلكترونية سنوياً، بينما لا تتم إعادة تدوير سوى نسبة محدودة منها، ما يجعل التحول الرقمي نفسه بحاجة إلى سياسة بيئية مستدامة.

لذلك فإن السؤال لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟

بل أصبح: كيف نستخدمه بأقل بصمة بيئية وأكثر فائدة ممكنة؟

نحو ذكاء اصطناعي أخضر

المستقبل يحتاج إلى ما يمكن تسميته “الذكاء الاصطناعي الأخضر”: أنظمة أكثر كفاءة في الطاقة، ونماذج أقل استهلاكاً للموارد، ومراكز بيانات تعتمد أكثر على الطاقات المتجددة، وإعادة استخدام الأجهزة والمكونات، وقياس البصمة البيئية لدورة حياة التكنولوجيا كاملة.

وفي فبراير/شباط 2025، دعمت أكثر من 100 جهة، من بينها شركات تكنولوجية ودول ومنظمات دولية، “التحالف من أجل الذكاء الاصطناعي المستدام بيئياً”، بهدف دفع الذكاء الاصطناعي نحو مسار أكثر استدامة.

المعادلة إذن واضحة: لا يمكن حماية البيئة بتكنولوجيا تستهلك البيئة بلا حدود.

~البيئة في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي: عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من معركة إنقاذ الكوكب

لم تعد حماية البيئة قضية محلية تنحصر في غابة أو واحة أو شاطئ، كما لم يعد التغير المناخي ملفاً يخص الحكومات وحدها. في عصر العولمة، أصبحت الأزمات البيئية عابرة للحدود: انبعاثات دولة تؤثر في مناخ العالم، وتلوث نهر قد يعبر أكثر من دولة، واختفاء غابة قد ينعكس على التنوع البيولوجي ودورة المياه ومخزون الكربون على مستوى إقليمي ودولي.

وفي قلب هذا التحول تظهر التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي باعتبارهما من أهم الأدوات الجديدة في معركة حماية البيئة. لكن المفارقة أن التكنولوجيا التي يمكن أن تساعد البشرية على إنقاذ البيئة يمكن أن تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى مصدر جديد للضغط على الموارد والطاقة والمناخ.

من المراقبة التقليدية إلى البيئة الذكية

لسنوات طويلة اعتمدت حماية البيئة على المعاينات الميدانية والإحصائيات الدورية والصور الجوية المحدودة. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان جمع كميات هائلة من البيانات بواسطة الأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار، والطائرات المسيّرة، وإنترنت الأشياء، ومحطات قياس جودة الهواء والمياه.

وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي ليقوم بالدور الأكثر أهمية: تحويل هذه الكميات الهائلة من البيانات إلى معلومات قابلة للتحليل واتخاذ القرار.

فالخوارزميات تستطيع مثلاً تحليل صور الأقمار الصناعية لاكتشاف تغير الغطاء النباتي، ومراقبة إزالة الغابات، ورصد التصحر، وتحديد المناطق التي تعاني من الإجهاد المائي، بل والمساعدة على التنبؤ ببعض المخاطر المناخية.

وتؤكد الأمم المتحدة للبيئة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في مجالات عديدة، من مراقبة إزالة الغابات إلى تحسين كفاءة المباني والطاقة المتجددة، شرط أن تتحول البيانات إلى قرارات وإجراءات عملية.

الزراعة والماء: التكنولوجيا في مواجهة الندرة

تكتسب هذه التطبيقات أهمية خاصة في البلدان التي تواجه شحاً متزايداً في المياه.

فمن خلال تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الطقس ورطوبة التربة، يمكن للأنظمة الذكية تحديد احتياجات المحاصيل من المياه وتوجيه الري إلى المناطق التي تحتاج إليه فعلاً، بدلاً من استخدام المياه بطريقة موحدة قد تؤدي إلى الهدر.

وهذا التوجه يكتسب أهمية كبيرة في تونس، حيث تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن حوالي 80 في المائة من عمليات سحب المياه تستخدم في الزراعة والري، في حين بلغ نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة نحو 390 متراً مكعباً سنوياً سنة 2020، مع مستوى إجهاد مائي مرتفع جداً.

إن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد يمكن أن يجعل كل قطرة ماء أكثر قيمة.

إنذار مبكر للكوارث

يمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يتحول إلى نظام إنذار مبكر ضد الحرائق والفيضانات والجفاف والعواصف الرملية وبعض مظاهر التدهور البيئي.

والتجربة الدولية بدأت بالفعل في الانتقال من مرحلة جمع البيانات إلى مرحلة التدخل السريع. ففي يوليو/تموز 2026 أعلنت الأمم المتحدة للبيئة أن الذكاء الاصطناعي المستخدم ضمن نظامها لرصد انبعاثات الميثان يساعد على تحليل بيانات الأقمار الصناعية بسرعة أكبر وتحديد الانبعاثات الكبرى وإبلاغ الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وهذا المثال مهم لأنه يوضح أن قيمة الذكاء الاصطناعي البيئية لا تكمن في قدرته على “معرفة” المشكلة فحسب، بل في قدرته على تسريع الانتقال من الرصد إلى القرار، ومن القرار إلى الفعل.

لكن التكنولوجيا ليست بريئة بيئياً

غير أن الاحتفاء بالذكاء الاصطناعي باعتباره “منقذاً للبيئة” يجب ألا يقود إلى تجاهل كلفته البيئية.

فالأنظمة الرقمية تحتاج إلى مراكز بيانات تستهلك الكهرباء والمياه، كما أن تصنيع الأجهزة والخوادم والرقائق يحتاج إلى موارد طبيعية ومعادن وطاقة. وإلى جانب ذلك، يمثل النفايات الإلكترونية تحدياً عالمياً متزايداً.

وتشير الأمم المتحدة للبيئة إلى أن العالم ينتج عشرات ملايين الأطنان من النفايات الإلكترونية سنوياً، بينما لا تتم إعادة تدوير سوى نسبة محدودة منها، ما يجعل التحول الرقمي نفسه بحاجة إلى سياسة بيئية مستدامة.

لذلك فإن السؤال لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟

بل أصبح: كيف نستخدمه بأقل بصمة بيئية وأكثر فائدة ممكنة؟

نحو ذكاء اصطناعي أخضر

المستقبل يحتاج إلى ما يمكن تسميته “الذكاء الاصطناعي الأخضر”: أنظمة أكثر كفاءة في الطاقة، ونماذج أقل استهلاكاً للموارد، ومراكز بيانات تعتمد أكثر على الطاقات المتجددة، وإعادة استخدام الأجهزة والمكونات، وقياس البصمة البيئية لدورة حياة التكنولوجيا كاملة.

وفي فبراير/شباط 2025، دعمت أكثر من 100 جهة، من بينها شركات تكنولوجية ودول ومنظمات دولية، “التحالف من أجل الذكاء الاصطناعي المستدام بيئياً”، بهدف دفع الذكاء الاصطناعي نحو مسار أكثر استدامة.

المعادلة إذن واضحة: لا يمكن حماية البيئة بتكنولوجيا تستهلك البيئة بلا حدود.

الخلاصة

العولمة جعلت البيئة قضية عالمية، والذكاء الاصطناعي يمنح البشرية أدوات غير مسبوقة لفهم ما يحدث على سطح الأرض.

لكن التكنولوجيا وحدها لن تنقذ الكوكب.

ما ينقذ البيئة هو اجتماع العلم والبيانات والتكنولوجيا والتشريع والتمويل والإرادة السياسية والمجتمعات المحلية.

وفي النهاية، ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي خادماً للاستدامة، لا بديلاً عن المسؤولية الإنسانية.

فالآلة تستطيع أن تتنبأ بالجفاف، لكنها لا تستطيع وحدها اتخاذ قرار عادل بشأن توزيع المياه.

وتستطيع الأقمار الصناعية كشف تراجع الغطاء النباتي، لكنها لا تستطيع وحدها إقناع الإنسان بأن حماية الأرض ليست عبئاً على التنمية، بل شرطاً لاستمرارها.~

العولمة جعلت البيئة قضية عالمية، والذكاء الاصطناعي يمنح البشرية أدوات غير مسبوقة لفهم ما يحدث على سطح الأرض.

لكن التكنولوجيا وحدها لن تنقذ الكوكب.

ما ينقذ البيئة هو اجتماع العلم والبيانات والتكنولوجيا والتشريع والتمويل والإرادة السياسية والمجتمعات المحلية.

وفي النهاية، ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي خادماً للاستدامة، لا بديلاً عن المسؤولية الإنسانية.

فالآلة تستطيع أن تتنبأ بالجفاف، لكنها لا تستطيع وحدها اتخاذ قرار عادل بشأن توزيع المياه.

وتستطيع الأقمار الصناعية كشف تراجع الغطاء النباتي، لكنها لا تستطيع وحدها إقناع الإنسان بأن حماية الأرض ليست عبئاً على التنمية، بل شرطاً لاستمرارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى