اقلام حرةالرئيسيةمقالات

المحاضرة الثانية من سلسلة محاضرات تحليل الأخطاء اللغوية في تعليم العربية ناطقين بغيرها بعنوان مفهوم الخطأ اللغوي وتطور النظر إليه في الدراسات اللغوية

الدكتورة فاطمة ابواواصل. إغبارية

ملخص محاضرتي لطلاب الدراسات العليا للناطقين بغيرها اليوم. 7-8-2026

المحاضرة الثانية من سلسلة محاضرات تحليل الأخطاء اللغوية في تعليم العربية ناطقين بغيرها
بعنوان
مفهوم الخطأ اللغوي وتطور النظر إليه في الدراسات اللغوية
====================
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اليوم. سوف نكمل ما بدأناه. المحاضرة الماضية وهذه هي المحاضرة الثانية من سلسلة محاضرات تحليل الأخطاء اللغوية في تعليم العربية ناطقين بغيرها.

في محاضرتنا السابقة انطلقنا من فكرة رئيسة، وهي أن الخطأ اللغوي ليس مجرد انحراف عن الصواب، بل هو رسالة علمية تكشف لنا كيف يتعلم المتعلم اللغة، وكيف يبني نظامه اللغوي تدريجيًا. كما رأينا أن قيمة الخطأ لا تكمن في وجوده، وإنما في قدرتنا على قراءته قراءة علمية، تمكننا من تشخيص الصعوبات، وبناء معالجات تعليمية أكثر فاعلية.

واليوم نخطو خطوة أخرى في هذا المسار، لنناقش قضية تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في الحقيقة تمثل الأساس الذي تقوم عليه جميع الدراسات المتعلقة بتحليل الأخطاء، وهي مفهوم الخطأ اللغوي.

وأود أن أبدأ معكم بسؤال جديد:

هل يمكن أن نحلل شيئًا قبل أن نتفق على مفهومه؟

الإجابة البديهية هي: لا.

فكل بحث علمي يبدأ بتحديد المفاهيم، وضبط المصطلحات، ورسم الحدود الفاصلة بينها. وإذا اختلف الباحثون في مفهوم المصطلح، اختلفت نتائجهم، واختلفت طرائق معالجتهم للظاهرة المدروسة.

ولهذا، فإن أول ما ينبغي على الباحث في تعليم العربية للناطقين بغيرها أن يفعله هو أن يسأل نفسه:

ما المقصود بالخطأ اللغوي؟

وهل كل مخالفة للقاعدة تُعد خطأ؟

وهل يختلف الخطأ عن الهفوة أو السهو؟

وهل ينظر اللغوي، والمعلم، وعالم النفس اللغوي إلى الخطأ بالطريقة نفسها؟

هذه الأسئلة ليست أسئلة نظرية مجردة، بل هي أسئلة تؤثر مباشرة في طريقة جمع البيانات، وتصنيف الأخطاء، وتفسيرها، بل وفي الطريقة التي يتعامل بها المعلم مع المتعلم داخل قاعة الدرس

لو عدنا إلى التراث العربي، لوجدنا أن قضية الخطأ شغلت العلماء منذ القرون الأولى، لكنها كانت تُطرح في سياق مختلف عن السياق الذي ندرسه اليوم.

فقد كان اهتمام العلماء منصبًا على صيانة العربية من اللحن، والمحافظة على سلامة القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر العربي، ولسان العرب عامة. ومن هنا ظهرت كتب اللحن، وكتب التصحيح اللغوي، والمؤلفات التي تعنى ببيان الصواب والخطأ في الاستعمال.

وكانت النظرة السائدة آنذاك تقوم على معيار واضح، وهو أن كل خروج عن الاستعمال العربي الفصيح يُعد لحنًا ينبغي تقويمه.

وقد كان لهذا الاتجاه دوره الكبير في حفظ العربية وتقعيدها، وهو فضل لا يمكن إنكاره، لكنه كان ينظر إلى الخطأ من زاوية تقويم اللغة أكثر من نظره إلى فهم المتعلم.

أما في الدراسات اللغوية الحديثة، فقد بدأ السؤال يتغير.

فلم يعد الباحث يكتفي بأن يقول: هذه العبارة صحيحة، وهذه العبارة خاطئة، وإنما أصبح يسأل:

كيف نشأ هذا الخطأ؟

وما الذي يكشفه عن طريقة تفكير المتعلم؟

وهل يمكن أن يكون هذا الخطأ دليلًا على تقدمه في تعلم اللغة، لا على فشله؟

وهنا بدأ مفهوم الخطأ يخرج من دائرة الحكم على الأداء، إلى دائرة تفسير عملية التعلم نفسها.

ومن هنا نستطيع أن نقول إن مفهوم الخطأ اللغوي مرَّ بتحول عميق؛ فقد انتقل من كونه انحرافًا عن القاعدة إلى كونه مؤشرًا على بناء المعرفة اللغوية.

وهذا التحول لم يحدث فجأة، بل كان نتيجة تطور طويل في علم اللغة، وعلم النفس، ونظريات تعلم اللغات، وهو ما سنتتبعه معًا في هذه المحاضرة.

(المحاضرة المقبلة : مفهوم الخطأ اللغوي بين التراث العربي واللسانيات الحديثة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى