
حين أرفع بصري نحو سماء الذكريات الممتدة بلا نهاية، توددني كل نجمة مضيئة فيها لتعيدني إلى أرضٍ واحدة؛ إلى الباحة المباركة لمعهد “أزهر العلوم” في “ألوفا”، حيث وُلدت بدايات مراهقتي وشبابي، وتشكّلت أحلامي وأفكاري ونظرتي للحياة بأسرها. لم تكن تلك الأعوام الثلاثة، الممتدة بين عامي 1992 و1995، مجرد مرحلة دراسية عادية، بل كانت العصر الذهبي لحياتي، حيث خطّت روحي حروفها، وتعرّفتُ فيها على ذاتي الحقيقية. وحين تُسدل سدلة الزمن إلى الوراء، تظل أروقة الحرم القديمة وتلك الفصول الدراسية تملأ قلبي حتى اليوم بحنين ناصع وامتنان عميق.
حين أغوص في تفاصيل تلك المرحلة، أول ما يلامس قلبي هو وجوه أولئك المعلمين الربانيين الأجلاء الذين أخذوا بأيدينا بحنان وبصيرة: الدكتور محي الدين الآلوائي، عبد السلام المولوي، حمزة المولوي، عبد العزيز المولوي… لقد رحل أولئك الكبار عن دنيانا، ورغم أن نداء الزمن قد غيّبهم عن أعيُننا، فإن نور العلم الذي زرعوه فينا ما زالت جذوته متوهجة لا تنطفئ. نسأل الله رب العالمين أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يرزقهم الفردوس الأعلى.
وإلى جانبهم، كانت أيامنا مزدانة بحضور ثلّة مباركة من العلماء والأساتذة؛ كقاسم المولوي، و عبد الرشيد الفيضي، و عبد الواحد الندوي، و عبد الستار المولوي، و عبد السلام العمري، وغيرهم الكثير من الأعلام والوجوه المنيرة. إن وجود هؤلاء المربّين العظام، الذين غمرونا بالعطف إلى جانب ما بثوه فينا من أنوار المعرفة، هو ما جعل “أزهر العلوم” أحبَّ إلى قلوبنا من بيوتنا.
في تلك الفصول الدراسية، تذوقنا للمرة الأولى عذوبة اللغة العربية وعمق روحها؛ فسرنا في مسالك النحو، ودروب الصرف، وعوالم البلاغة الساحرة بذهول بالغ. وما زالت أصداء دروس تفسير سورة البقرة التي كان يلقيها الأستاذ قاسم المولوي ترتج في آذاني حتى اليوم. لم تكن تلك الدروس مجرد تفسير للقرآن فحسب، بل كانت نافذة مفتوحة على مناقشات فكرية عميقة وسعة في المدارك، مما وسع آفاق قراءتنا وتفكيرنا بلا حدود. لقد تعلّمنا في تلك الفصول كيف نتجاوز الضيق المذهبي والتعصب الديني إلى رحاب رؤية إنسانية واسعة، ومن هناك انكسرت قيود الانغلاق الفكري.
أما نقاشات دروس الحديث النبوي الشريف للمرحوم الأستاذ عبد العزيز المولوي، فقد كانت بمعناها الحقيقي انفجاراً معرفياً؛ إذ لم تقتصر على حفظ نصوص الأحاديث العربية فحسب، بل علّمنا كيف نقرأ سياقها التاريخي ونُسقط أبعادها المعاصرة على واقع الحياة. وهكذا كانت طرق التدريس الصارمة والمليئة بالحب للأستاذ عبد الواحد الندوي، حيث لا تزال أساليبه في تحفيظنا متون كتاب ” التحفة الوردية” راسخة في الذاكرة كأنغام تتردد في السر والعلن، يقظة ونوماً. ذلك الجهد المضني هو الذي ضاعف فينا حب العربية والانتماء إليها؛ فلم يكن العلم حشواً في الأذهان، بل كان غرساً راسخاً في أعماق القلوب.
ولكن، الحقيقية الأخرى التي لا تنسى هي أن ربيع العلم هذا كان يزهر في ظروف مادية شديدة البساطة والتقشف. إن استذكار شظف العيش وضيق ذات اليد في ذلك الزمان يبعث اليوم على ابتسامة دافئة ودمعة حرى. لم تكن في “أزهر” الأمس رفاهية الأيام الحالية ولا موائدها الوارفة، ومع ذلك، فقد فاحت من تلك الجماعة الصغيرة رائحة المحبة والتآلف الفريدة. في غالب الأيام، كان غداء الظهيرة يتكون من أرز ومرق أعدّ من حصص التموين التي وفرها في ذلك الحين وزير الغذاء وابن المنطقة السيد المرحوم “ت. إتش. مصطفى”، إلى جانب بعض نباتات “الفنس” المحلية. ومع بساطته، كان لذلك الطعام طعم يتفوق على أشهى وجبات الفنادق ذات النجوم الخمسة ؛ لأنه كان ممتزجاً بملح الإخاء والمشاركة بين الأصدقاء. وكان إعداد “النيتشور” (الأرز بالسمن) مرة في الأسبوع عيداً كبيراً لقلوبنا.
حينها، كنا نتحمل بأنفسنا أعباء المطبخ والطبخ؛ فتلك الأيام التي كان يغادر فيها طاهينا الحبيب “سلامكّا” في إجازة، ونقوم نحن الطلاب بمهام الطهي التطوعي، تظل محفورة في الذاكرة بلوحة مدهشة. تلك التجارب الطبخية بوجوهنا الملطخة بدخان حطب المطابخ، وجلساتنا حول الموائد المتواضعة، هي ما جعلت ذلك المعهد العتيق عائلة كبرى لا مجرد مؤسسة تعليمية باردة.
لم تقتصر أعوامنا في “أزهر العلوم” على جدران الفصول الأربعة، بل كانت مدرسة مفتوحة للتفاعل مع المجتمع وملامسة نبض البسطاء. ومن خلال الأنشطة التواصلية ورحلات الدعوة التي نظمناها التي غيرت رؤيتنا للحياة جذرياً. كانت زياراتنا لبيوت الهندوس والمسيحيين البسيطة في المناطق المجاورة للمعهد تجربة لا تُنسى؛ فقد علّمتنا تلك اللقاءات كيف نتجاوز حواجز الدين واللون لنشارك الناس آلامهم وأشجانهم، وكيف نبني جسوراً من القلوب معهم. لقد زرعت تلك الخطوات في جيلنا طاقة هائلة لقراءة النفوس وملامسة أحزان العيون.
لقد كانت تلك المرحلة فترة صحوة اجتماعية وسياسية كبرى؛ فذكريات المشاركة النشطة في فعاليات منظمة الطلاب الإسلامية (SIO) ماثلة أمامي كأنها بالأمس القريب. تلك الأيام التي كنا نمشي فيها تحت جنح الظلام أو مع بزوق الفجر نحو “فازاكولام” لنلصق ملصقات الحركة، وتلك الطرق التي قطعناها بأقدام منهكة لكنها ملتهبة بحماس يملأ القلوب… لقد سرت حرارة العمل المؤسسي ونشر الفكرة في عروقنا. ومن هناك ترسخت في دواخلنا الرغبة الملحة في الانتصار للظلم وصنع تغيير إيجابي في المجتمع. لقد لقّننا “أزهر العلوم” الدرس الأكبر: أن الطالب الحقيقي هو من يحيا متحسساً لنبض أمته ومجتمعه.
إن أعوامنا الثلاثة (1992-1995) هي أجمل فصول حياتي وأكثرها بركة. إن شظف العيش والمشاق التي عشناها لم تكسر عزيمتنا، بل منحتنا قوة وثقة لمواجهة أي عقبة بصدر رحب. وحين غادرت عتبات المعهد برعاية ودعم خاص، لم أكن أحمل في يدي ثروة مادية، لكني كنت أمتلئ في صدري بنور العلم، ودروس الإنسانية، والالتزام الثابت تجاه المجتمع. وكان ذلك الزاد وحده هو الذي أخذ بيدي في دروب الحياة الوعرة اللاحقة.
اليوم، وأنا أجري في زحام الحياة وأعباء المسؤوليات، كلما سكن قلبي والتفتّ إلى الوراء، أتأمل تلك الأيام الماضية ؛ أيام قضاها طفل المدينة
في إحدى قرى ألوفا، بين أروقة “أزهر العلوم” الضيقة، في كوخ المطاط المتواضع، إلى جانب معلميّ الأحباء ورفاق دربي الأوفياء. لقد كانت تلك السنوات هي أساس حياتي وقاعدة عمري. لتلك الأرض التي علمتني كيف أفكر، وصنعت مني إنساناً، وشحذت مواقفي، ومنحت لساني وقلمي سرعة البيان …
ولمعلميّ الذين صاغوني، ولرفاقي الذين رافقوني، أتوجه بخالص الشكر من أعماق القلب.
“أزهر العلوم”.. هو المكان الذي صنعني؛ وهو الوطن الروحي الذي لا تزال جذوري تمتد في أعماقه أبداً.



