منظر من جنتار منتر بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوى

نيودلهي / الهند : تشهد الساحة الهندية تحولاً عميقاً في الوعي السياسي والاجتماعي، يتجلى بوضوح في الاحتجاجات الشعبية التي يقودها الشباب وطلاب الجامعات في العاصمة نيودلهي، وتحديداً في ساحة جانتر منتر التاريخية. ورغم ميل بعض المراقبين إلى التقليل من شأن هذه الحركات الشعبية باعتبارها مجرد احتجاجات عابرة لن تحدث تغييراً جذرياً فورياً في بنية السلطة، فإن قراءة المشهد بعمق تكشف عن تحول جوهرى يتسرب تدريجياً إلى أعماق الطبقة المتوسطة الحضرية. فعلى مدى سنوات طويلة، فضلت قطاعات واسعة من المجتمع الهندي الابتعاد عن صخب السياسة الوطنية، مكتفية بالانكفاء على العمل اليومي وتأمين سبل العيش تحت شعار الاكتفاء بالمهام الشخصية والمهنية، متوهمة أن السياسات العامة وقضايا المؤسسات لا تتقاطع مع تفاصيل حياتها الخاصة. غير أن الأجواء المشحونة في ميادين الاحتجاج تؤكد أن جدار اللامبالاة هذا قد بدأ يتصدع، دافعاً بأولياء الأمور والموظفين والطلاب نحو كسر حاجز الصمت وطرح الأسئلة الصعبة.
ولفهم هذا التحول الدلالي، لابد من إدراك أن خطابات السياسة التقليدية غالباً ما تقف عاجزة إذا ما وجهت لشخص مشتغل بهموم معاشه اليومي كبائع متجول أو ربة منزل مشغولة بشؤون بيتها، إذ تبدو تلك الخطابات وكأنها لغة غريبة عن واقعهم المعيشي. لكن هذه الحواجز النفسية تتهاوى فوراً حين ينتقل النقاش إلى الفضاءات الإنسانية الأكثر حميمية وتأثيراً، كأروقة المستشفيات أو مجالس العزاء، حيث تصبح النفوس مهيأة للإصغاء والتأثر. وحين تُترجم القضايا السياسية المعقدة إلى لغة مشاعر صادقة ومباشرة، فإنها تصل إلى وجدان المتلقي بوضوح تام، مما يفتح الباب أمام مقاربات جديدة تلامس حياتهم اليومية بشكل مباشر.
لقد باتت الطبقة المتوسطة ترى بوضوح كيف تنعكس الأزمات الهيكلية للبلاد على تفاصيل مصير أبنائها؛ فسوء إدارة الامتحانات المركزية وأوراق القبول يماثل تماماً العشوائية التي تُدار بها السجلات الوطنية والوثائق المدنية الأساسية. وحين يواجه الشباب الملاحقات القانونية والتهم الملفقة لمجرد التعبير عن آرائهم، فإنهم يدركون عواقب توظيف الأجهزة الرسمية لأغراض سياسية. إن مشاهد القمع والتدخل الأمني العنيف ضد المتظاهرين تجسد بوضوح حالة التعسف في استخدام السلطة، تماماً كما أن تفشي المحاباة الاقتصادية يخدم نخبة ضيقة على حساب طموحات الجياع للعمل والكسب الشريف. ولا يقتصر هذا الوعي على الجانب المعيشي فحسب، بل يمتد ليشمل تراجع المناخ الديمقراطي داخل البرلمانات والمؤسسات التشريعية التي باتت تمرر القوانين دون نقاش، فضلاً عن أزمة المصداقية الإعلامية التي دفعته للتحول نحو صحافة المواطن بحثاً عن الحقيقة وسط ركام الأخبار المضللة.
إن رؤية الأبناء والشباب وهم يتعرضون للقمع والتعسف قد اخترقت الحصن الدفاعي للآباء الذين طالما احتموا بالحياد السياسي المزيف. ورغم أن تحويل هذه اليقظة الوجدانية إلى إصلاح هيكلي مستدام يتطلب جهداً مضاعفاً، إلا أن الأكيد هو أن جدار الصمت قد سقط. وبدل الشعارات النخبوية المعقدة، باتت لغة الحقوق والكرامة تفرض نفسها من القلب لتصل إلى كل من ظن يوماً أن السياسة لا تعنيه، لتثبت أن الضمير الجمعي للمجتمع لابد أن يستيقظ عاجلاً أم آجلاً ليطالب بحقوقه الأساسية.



