مقالات

“ما وراء المعرفة: الجسر المفقود بين الإدراك والتحول*

بقلم المستشارةالدكتورة. آمنة الريسي مستشارة في علم النفس السياسي، والجنائي، والمؤسسي | وخبيرة في القيادة والحوكمة

تتوزع مقومات بناء الذات والقيادة على ثلاثة محاور متمايزة: المهارات الفنية والتقنية كأداة للإنجاز، والمعلومات والنظريات كقاعدة للبناء الفكري، والسمات النفسية والسلوكية والانفعالية كجوهر للشخصية.

قد يكرس المرء لياليَ طوال في إتقان مهارة فنية دقيقة، أو يغوص في أعماق النظريات الفلسفية المعقدة؛ ومن الطبيعي أن تقود هذه الجهود إلى حل معضلةٍ ما أو تفكيك مشكلةٍ ألحّت عليه بالبحث. ولكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا: ماذا بعد الوصول إلى المعلومة؟

إن المرء حين يواجه أعراضاً لمشكلة تربوية، صحية، أو اجتماعية، قد يدفعه البحث المستمر إلى العثور على التفسيرات المنطقية أو الحلول النظرية. لكن المسافة بين “معرفة الحل” و”القدرة على تطبيقه” تظل فجوةً شاسعة؛ فالأمر يتطلب تجاوز المعرفة الذهنية إلى ملامسة الجانب النفسي والسلوكي والانفعالي، وإخضاعه لعملية معالجة جذرية.

في علوم القيادة المعاصرة، لا يُقاس القائد بمدى براعته في رسم الرؤى والأهداف الاستراتيجية فحسب، بل بقدرته على إدارة صراعاته الداخلية ومواجهة نزاعاته المكبوتة؛ فهذا هو المحك الحقيقي الذي يصنع من القائد “إنساناً سامياً” بمرور الوقت. إن التفكير والتحليل العميق لا يلبثان أن يقودا الباحث في نهاية المطاف إلى تلك المنطقة الوعرة: منطقة الصراعات النفسية المكبوتة.

وهنا تحديداً يقف الجميع أمام حاجز الصمت. فالسؤال الذي يفرض وجوده هو: لماذا يفتقر الكثيرون إلى تلك الشجاعة الاستثنائية التي تمكّنهم من كسر هذا الحاجز، والغوص في عوالم النفس الخفية لمواجهة الذات بصدق؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى