أخبار منوعة

رحيل منارة علمية وأثر لم ينطفئ: نعيٌ بمداد الوفاء لفضيلة المحدث الشيخ سلمان الحسيني الندوي

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تفيض حزنًا لوعج الفراق وتنبض تسليمًا لباريها، تلقت الأمة الإسلامية والأوساط العلمية في الهند والعالم العربي والإسلامي نبأ وفاة العالم الرباني والداعية الكبير، فضيلة الشيخ الأستاذ سلمان الحسيني الندوي (1952–2026). لقد كان الراحل قامة علمية سامقة، وأحد الجهابذة الذين نذروا حياتهم لخدمة العلوم الشرعية، وتأصيل معارف السنة النبوية المطهرة، وتربية الأجيال على مائدة الوحيين وسيرة السلف الصالح.

لقد غادرنا الشيخ بعد مسيرة حافلة بالعطاء الأكاديمي والدعوي، ترك خلالها بصمات واضحة لا يمحوها الزمن؛ لعل من أبرزها جهوده المباركة أثناء توليه عمادة كلية الدعوة في جامعة دار العلوم ندوة العلماء العريقة بمدينة لکهنو، فضلاً عن تصنيفه لمؤلفات وبحوث رصينة وقيمة باللغتين العربية والأردية، أغنت المكتبات الإسلامية وسدت ثغورًا معرفية هامة في فقه الدعوة والحديث الشريف.

تلمذة على ضفاف المحدثين:

ذكريات الدرس والتحصيل
حين ينعى التلميذ شيخه، لا ينعى مجرد أستاذ عابر، بل ينعى جزءًا من تكوينه العلمي والروحي. وفي هذا المقام الأليم، أستحضر ببالغ الاعتزاز والعرفان الأيام النضرة التي أكرمني الله فيها بالجلوس بين يدي الشيخ سلمان الندوي -رحمه الله- متلقيًا عنه ومستمعًا لدروسه السنية. لقد شرفني المولى بأن درسني الشيخ كتاب “سنن الترمذي”، وهو أحد الكتب الستة المعتمدة في السنة المشرفة.
لم تكن محاضرات الشيخ مجرد سرد للأحاديث أو قراءة آلية للأسانيد، بل كانت سياحة عميقة في فقه الحديث، وعلم الرجال، والعلل، واستنباط الأحكام. وما زلت حتى يومنا هذا، وأنا أمارس العمل الأكاديمي واللغوي، أحتفظ بكراسته العلمية وثيقة غالية ومرجعًا أصيلاً لا أستغني عنه في تتبع أحاديث جامع الترمذي وشروحها. إن هذه الكراسة المباركة ليست مجرد تدوين عادي، بل هي خلاصة مركزة ومتقنة لكتاب “تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للإمام العلامة محمد عبد الرحمن المباركفوري. لقد استطاع الشيخ -بعقليته الفذة وقدرته على التلخيص والتحرير- أن يوجز المجلدات الضخمة من هذا الشرح الحافل في إشارات دقيقة وقواعد حديثية محررة، مما ييسر على الباحثين وطالب العلم الوصول إلى زبدة الأحكام الفقهية والحديثية.

محفز الهمم: جوائز وتشجيع لا يُنسى

لقد كان الشيخ سلمان الحسيني الندوي نموذجًا للمربي الذي يدرك أهمية الدعم النفسي والتقدير المعنوي لطلابه. لم يبخل يوماً بكلمة ثناء أو لفتة تكريم تبث الحماس في نفوس المجدين. ومن أنصع الصفحات في ذاكرتي معه، تلك اللحظات التي حظيت فيها بتقديره وتشجيعه من خلال جوائز علمية نلتها من يديه الكريمتين نظير التفوق والتحصيل العلمي.
كانت تلك الجوائز -على بساطتها المادية أحيانًا وعمق قيمتها المعنوية دائمًا- بمثابة الوقود الذي أضاء لي طريق البحث والمثابرة، وغرست في نفسي ونفوس زملائي حب التميز والانغماس في علوم الشريعة واللغة. لقد كان يرى في طلابه امتدادًا لرسالة الندوة، وحملةً للواء التجديد والاصطلاح، فكان يتعامل معنا كأبٍ يرجو لأبنائه أن يفوقوه علمًا ومكانة.

ميدان الفتوة والشباب:
ملتقيات ومخيمات بناء الإنسان
ولم يكن نشاط الشيخ الراحل محصورًا في الصوامع الأكاديمية أو الغرف المغلقة، بل كان رجلاً ميدانيًا يؤمن بأن العلم لا بد أن يترجم إلى حركة وإصلاح في المجتمع. ومن هنا، أولى قطاع الشباب عناية فائقة، لإيمانه بأنهم عصب الأمة ومستقبلها. ولعل من أبرز المحطات الدعوية والتربوية التي تركت أثرًا عميقًا في تكويني الشخصي والعملي، مشاركتي الفاعلة في بعض المخيمات والملتقيات التربوية التي عقدتها “جمعية شباب الإسلام”، وهي الجمعية المباركة التي كان الشيخ يرأسها ويوجه دفّتها.
كانت تلك المخيمات بمثابة محاضن تربوية متكاملة؛ نلتقي فيها بالشباب من مختلف الأطياف، ونتعلم فيها الصبر، والعمل الجماعي، والتخطيط الدعوي، والمسؤولية المجتمعية. كان الشيخ يشاركنا تفاصيل هذه المخيمات، يوجه نصائحه، ويشرف على البرامج الفكرية والرياضية والروحية، غارسًا في نفوس الناشئة معاني العزة بالإسلام، والوسطية في الفهم، والبعد عن الغلو أو التفريط.

إن رحيل الشيخ سلمان الحسيني الندوي ثلمة في الإسلام لا يسدها إلا خلف صالح يسير على ذات الدرب ويحمل ذات الشعلة. وإذ نودع هذا الجبل الأشم، فإننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: “إنا لله وإنا إليه راجعون”. إن الكلمات لتضيق، وإن المداد ليعجز عن حصر مناقب الشيخ وإفضاله، لكن عزاءنا هو هذا الإرث العلمي الممتد، وتلك الأجيال من العلماء والباحثين المنتشرين في مشارق الأرض ومغاربها الذين ينهلون من معينه ويذكرونه بالدعاء الصالح.
نسأل الله العلي القدير، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن يتغمد الشيخ بواسع رحمته، وأن يشمله بعفوه ورضوانه، وأن يجعل ما قدمه للإسلام والمسلمين من علم نافع، وتوجيه سديد، وتربية صالحة، في ميزان حسناته ومستودع صالحاته. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. كما نسأله سبحانه أن يلهم أهله، وذويه، وطلابه، ومحبيه في كل مكان، الصبر والسلوان وعظيم الأجر.
“لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.. فلتصبروا ولتحتسبوا.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى