
وتكون هناك علاقات متفاوتة بين الإخوة؛ فهناك إخوة وأخوات تجمعهم رابطة الأخوة فقط، وهناك إخوة وأخوات هم أيضًا أصدقاء وصديقات، يتبادلون الأسرار، ويتشاورون في أمورهم، ويتقاسمون الآراء والاستشارات.
وطبعًا أنا أتحدث عن كل بيت، ولكن إذا قدَّر الله أن يموت أحد الإخوة أو الأخوات، فهنا تحدث الفاجعة. ونحن جميعًا مؤمنون بقضاء الله وقدره، ولا يسعنا عند وقوع مصيبة الموت إلا أن نسترجع ونقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
لكن تصوروا معي ذلك الفراغ الهائل الذي يحدث حين تفقد الأسرة أحد أبنائها أو إحدى بناتها. وأنا هنا أتحدث عن سناء أحمد فجاجي، ابنة أختي، التي وافتها المنية هذا اليوم. رحمها الله رحمة واسعة، وأكرم وفادتها إليه.
نعم، هناك فراغ تشعر به كل أسرة تفقد أحد أبنائها أو بناتها، فراغ أكبر من الفراغ الذي بين النجوم والمجرات. فراغ حين تتحسس الأسرة غياب فقيدها، وحين ينادي الأب أو الأم: يا فلان… يا فلانة… قوموا إلى الصلاة، ويبقى ذلك الصوت بلا إجابة.
وفراغ حين توضع سفرة الطعام، ويُنادى على الأبناء بالأسماء، فإذا باسم مفقود لم يحضر. وفراغ حين يحين موعد الذهاب إلى المدارس، فإذا بمقعد إحدى الطالبات في حافلة المدرسة فارغ. وفراغ حين تجتمع الأسرة في الأعياد والمناسبات، فإذا بـ سناء غير موجودة؛ تلك التي كانت تملأ كل المناسبات فرحًا وضحكات، فإذا بالصمت والفراغ يغمران الأجواء والأمكنة.
نعم، هذا هو الذي يحدث بالضبط، خاصة في الأيام الأولى من الوفاة، قبل أن يسحب الزمن من الذاكرة شيئًا من النسيان؛ لأنها سنة الحياة التي جعلها الله لتستمر عجلة الدنيا في دورانها.
نعم، هذا ما يحدث بعد رحيل سناء، وهذا ما سيحدث لإخوتها وأخواتها. وكأني أنظر إليهم وهم يحاولون تجاوز ذلك الفراغ، ولكن هيهات؛ فلا بد لهذا الفراغ أن يبقى، وأن يأخذ مكانه في القلوب.
ومع ذلك، فهناك علاج لكل هذه الآلام، ولكل هذه الأوجاع، ولكل تلك الحيرة، وهو الرضا بقضاء الله وقدره، والتسليم لأمره سبحانه. فلا دواء للقلوب المكلومة إلا بالاستسلام لله؛ فهو جابر القلوب، ومخفف الآلام، وجابر كسر المنكسرين، وهو الرحمن الرحيم، يرحم الفاقد والمفقود، وينزل الصبر على عباده حتى يدهشوا من عظيم فضله.
فمن الذي يصبر الأم على فقد فلذة كبدها؟ ومن الذي يصبر الإخوة والأخوات على ذلك الفراغ الذي يشعرون به، وإن لم يظهر على وجوههم، فإنه يسكن أعماق نفوسهم وأحاسيسهم؟ إنه الله سبحانه، الذي ينزل السكينة والطمأنينة والسلام على قلوب المكلومين.
صورة الصدر مجلة غراس
لذلك نقول: غفر الله لك يا سناء، فقد وفدتِ إلى أكرم الأكرمين، ونسأل الله أن يجعل ما أصابك كفارةً لذنوبك، ورفعةً لدرجاتك.
إنه الفقد… فقد الأحبة الذين عشنا معهم سنوات، ثم افترقنا عنهم. إنها سنة الحياة، والحمد لله على ما قدَّر وقضى، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا:
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
إبراهيم يحيى أبو ليلى



