مقالات

بسمات البِشر على لمسات العشر

بقلم: أ.د. عبد الحفيظ الندوي

 

حصلت على كتاب شعري يوم تاسوعاء سنة ۱٤٤۸ وقرأته في ليلة حتى صرت مكبا على صفحات الكتاب بكرة وأصيلا وأنهيت قراءته قبيل إفطار العاشوراء. وذلك الديوان العاشر للأستاذ الدكتور عبد الله السلمي، الموسوم بـ “بسمات ولمسات”، ليتوّج مسيرة شعرية حافلة بالعطاء والجمال الأصيل. وكما عبّر الدكتور صابر نواس في مقدمته البليغة لهذا المنجز الإبداعي واصفًا إياه بعبارة اختزلت الروعة والتمام حين قال “تلك عشرة كاملة”، فإن هذا المديح لا يقف عند حدود العدد الرقمي فحسب، بل يمتد ليشمل نضج التجربة الفنية والوجدانية التي بلغت ذروتها في هذا الإصدار المتميز، والذي يضم بين دفتيه سبعين شعرا ينساب عبر أكثر من مئة صفحة من البوح الصادق.

وعند سبر أغوار هذا المزيج الشعري في “بسمات ولمسات”، يستحضر القارئ فورًا المقولة الشهيرة للشاعر الرومانسي الإنجليزي وليم وردزورث بأن الشعر هو التدفق التلقائي للمشاعر القوية التي تنبع من عواطف جرى تأملها في لحظة هدوء. هذا الدفق العفوي الدافئ يلمسه القارئ في سائر قصائد الديوان، حيث تبتعد الأبيات تمامًا عن التكلف الأكاديمي الصارم أو الصنعة الجافة، لتنساب في تلقائية آسرة تعكس صدق المعاناة الإنسانية وتحول الاختلاجات الذاتية إلى ترانيم تلامس الوجدان.
ومن الناحية الفنية والموسيقية، يبدي الدكتور عبد الله السلمي تمسكًا لافتًا بأصالة البناء العروضي، حيث تحافظ جُلّ قصائد الديوان على أوزانها وبحورها الخليلية المنضبطة ومناخها الموسيقي الخاص الذي يضبط إيقاع التجربة. وفي المقابل، يفرد الشاعر مساحة جد ضيقة ومحدودة للشعر الحر، وجاءت هذه النماذج قليلة ونادرة في صفحاته، وكأنها ومضات أراد بها التجديد العابر دون أن يمس بالهوية الكلاسيكية الرصينة التي تغلف الديوان بوقارها المعهود.
أما على الصعيد الدلالي والموضوعي، فإن الديوان يتحرك ببراعة بين ثنائية الوجدان الذاتي المتخيل والواقع المرير للأمة؛ إذ يتجلى ذلك في حضور أسماء مثل سناء ومريم كرموز وجدانية حصرية وأيقونات للجمال والمناجاة لا تبرح عالم الشاعر الفني، وكأنه من خلال استحضار سناء ومريم يترجم مشاعر الحنين والشوق لبلاد غيبها وجع الواقع؛ فهو في حقيقته يفتقد بغيابهما اليمن السعيد بعبقه وتاريخه الممتد، كما يفتقد غزة الصامدة بكبريائها وجراحها. وهكذا، ينفض الشاعر عن نفسه ثوب الغزل المحض لينخرط بكل جوارحه في قضايا الجغرافيا العربية النابضة بالآلام، لتنزف الحروف كرامة وثورة، مما يمنح الديوان بعدًا قوميًا وإنسانيًا رحبًا يرفع المعنى من خصوصية الذات إلى عمومية المأساة والأمل. إن “بسمات ولمسات” يمثل بحق مرآة صافية لنضج أدبي متكامل يجمع بين عذوبة اللفظ وجلال الموقف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى