نشاطات

الوطن لم يغادرنا… ولكننا تركنا أبوابه مشرّعة للخراب

د. فاطمة ابوواصل إغبارية

تسألين: هل غادرنا الوطن أم نحن من غادره؟
دكتورة روز شعبان

كلماتكِ ليست مقالًا عابرًا، بل صرخةٌ في وجه زمنٍ بات فيه الرصاص أعلى صوتًا من الحكمة، والخوف أكثر حضورًا من الأمان، والدم أقرب إلى شوارعنا من أحلام أبنائنا. وحين قرأتُ سؤالكِ: «هل غادرنا الوطن أم غادرناه؟» أدركتُ أن الإجابة لا تكمن في الجغرافيا، بل في الإنسان.

فالوطن لا يرحل. الوطن ليس إنسانًا يغضب فيغادر، ولا طيفًا يملّ من الانتظار فيختفي. الوطن باقٍ في أرضه وترابه وأشجاره، في أذان مساجده وأجراس كنائسه، وفي ذاكرة الأجداد الذين أوصونا به أمانةً في أعناقنا. لكنه لا يستطيع أن يحمي نفسه منّا حين نتخلى عن القيم التي جعلتنا أهلًا له.

إن الذي غادرنا حقًا ليس الوطن، بل أشياء كانت تحرس وجودنا وتحفظ مجتمعنا من الانهيار. غادرتنا قيمٌ كانت تضبط سلوكنا، وغادرنا حياءٌ كان يردعنا عن الظلم، وغادرنا ضميرٌ كان يستيقظ قبل أن تسيل قطرة دم واحدة. لذلك لم يخذلنا الوطن، بل نحن الذين خذلناه حين سمحنا للانقسام أن يكبر، وللخوف أن يحكم، وللجريمة أن تتحول من خبرٍ صادم إلى مشهدٍ مألوف.

وفي مجتمعنا العربي في الداخل، لم تعد المأساة في عدد الضحايا فقط، بل في اعتياد المأساة نفسها. أن نستيقظ على جريمة ثم نتابع يومنا كأن شيئًا لم يكن، وأن نبكي ضحية اليوم بينما نتهيأ نفسيًا لضحية الغد، وأن نستنكر القتل بألسنتنا فيما نتسامح مع أسبابه في واقعنا. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

هذه ليست هزيمة أمنية فحسب، بل هزيمة أخلاقية وإنسانية وتربوية. فالسلاح لا يضغط على الزناد وحده، بل تقف خلف كل رصاصة تربية ناقصة، وخلف كل جريمة سنوات من الصمت، وخلف كل قاتل منظومة من التبرير والخوف والتخاذل.

ولنكن صريحين مع أنفسنا: لا يمكن أن نحارب العنف ونحن نمجّد العصبية، ولا يمكن أن نهزم الجريمة ونحن نصمت عن المجرمين، ولا يمكن أن نبني مجتمعًا سليمًا ونحن نربي أبناءنا على أن القوة أهم من الحق، وأن الخوف أسلم من المواجهة. لقد ابتعدنا عن جوهر ديننا الذي جعل حرمة الدم مقدسة، وعن الأخلاق التي جعلت الإنسان أخًا للإنسان، وعن التربية التي كانت ترى في الابن مشروع إنسان ورسالة حياة، لا مشروع قوة ونفوذ.

إن أخطر ما في الجريمة ليس القاتل، فالقاتل فرد مهما بلغت خطورته. أما الأخطر فهو المجتمع الذي يتعلم التعايش مع القتل، ويتعامل مع الدم كخبر عابر، ومع الجنازات كمشهد متكرر. حين تكبر أجيال كاملة وهي تسمع أصوات الرصاص أكثر مما تسمع أصوات الكتب، فإن الخطر لا يعود على الأفراد وحدهم، بل على روح المجتمع وهويته ومستقبله.

ومع ذلك، لسنا شعبًا بلا أمل. فهذا الشعب الذي حافظ على هويته رغم عقود التهميش والقهر، قادر على أن ينهض من جديد. لكن النهوض لا يبدأ من البيانات ولا من منشورات الغضب، بل يبدأ من البيت والمدرسة والمسجد والكنيسة، ومن المربي والمعلم والمثقف، ومن كل أب يزرع في أبنائه احترام الحياة، وكل أم تربي على الرحمة بدل الانتقام، وكل صاحب كلمة يرفض أن يكون شاهد زور على هذا الانهيار.

الوطن لا يحتاج إلى دموعنا فقط، بل إلى شجاعتنا. يحتاج إلى أن نقول للمجرم: لا. وللفساد: لا. وللسلاح المنفلت: لا. ولثقافة الصمت: لا. فالوطن ليس مجرد أرض ندافع عنها حين يهددها الغريب، بل هو مجتمع نحميه من أنفسنا حين يهدده الخراب من الداخل.

لذلك لا أسأل: هل غادرنا الوطن أم غادرناه؟ بل أسأل: متى نقرر أن ننقذ ما تبقى من أرواح أبنائنا؟ متى نعيد للدم العربي حرمته؟ ومتى ندرك أن الرصاصة التي تقتل شابًا في شارعنا لا تصيب فردًا واحدًا، بل تصيب قلب الوطن كله؟

عندما نواجه أنفسنا بصدق، ونراجع أخطاءنا بشجاعة، ونعود إلى ديننا وأخلاقنا وقيمنا، ويصبح الإنسان أغلى من المصالح والعصبيات، عندها فقط سيعود الوطن كما نريده: حضنًا دافئًا لا مقبرةً لأحلام أبنائه.

لا، لم يغادرنا الوطن. الوطن ما زال واقفًا ينتظر أبناءه، لكننا نحن الذين أضعنا الطريق إليه. أضعناه يوم أصبح حمل السلاح أسهل من حمل المسؤولية، ويوم صار بعضنا يخاف المجرم أكثر مما يخاف الله، ويوم سكت الشرفاء فتجرأ العابثون، ويوم تحول الدم إلى رقم، والضحية إلى خبر، والجريمة إلى عادة.

إن الوطن لا يُقتل بالرصاص وحده، بل يُقتل حين تنهار الأخلاق، وتغيب التربية، ويُهجر الدين، ويصبح الإنسان عدوّ أخيه الإنسان. فقبل أن نسأل: أين الوطن؟ علينا أن نسأل: أين نحن من قيم الوطن؟ وأين نحن من وصايا الآباء والأجداد؟ وأين نحن من دين جعل قتل نفس واحدة جريمة تهتز لها السماوات والأرض؟

يوم نعود إلى أنفسنا، ونستعيد إنسانيتنا، ونحمل مسؤوليتنا بشجاعة، لن نبحث عن الوطن بعد ذلك، لأننا سنجده حيًّا في ضمائرنا، نابضًا في قلوبنا، مزهرًا في أبنائنا.

فالأوطان لا تضيع حين تكثر المؤامرات عليها ، ولن تضيع حين يتخلى أبناؤها عن واجبهم تجاهها

دمام سالمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى