مقالات

أخلاقيات الإعلام ؛ بين غياب الضمير وانهيار قيم المهنة “

الكاتب والإعلامي د. علي موسى الموسوية كل

 لقد دأبت ديناميكيات الإعلام المؤدلج، بأبواقه الرنانة وصحفه الصفراء على مر السنين، على محاصرة الوعي الجمعي وإغرائه بما يشبه الأورام الفكرية الخبيثة تلك المافيات التجارية التي تتستر خلف ياقات الإعلام المصقولة، كانت تدرك جيداً أن الإعلام ليس مجرد وسيلة نقل للأخبار، بل هو ذلك الصوت الذي يلبي حاجات الجميع، والضمير الجماعي الذي قد يوجه المجتمعات إما نحو الرقي أو الهاوية ولهذا السبب بتنا اليوم نرى مشاهد متلفزة مؤدلجة، وقحة، تتجرأ أن تجعل من نفسها حكماً وخصماً في آن واحد، حيث يُستغل موقع المقدم لتحويل المنصات الإعلامية إلى ساحات للتحزب والتلاعب، متجاهلين أبسط القواعد المهنية والأخلاقية التي هي العمود الفقري لرسالة الإعلام.

يُفترض أن الإعلام الحر يرتكز على الحياد، والمصداقية، والأمانة، بعيداً عن الأهواء والمصالح الفردية فإن انعدمت تلك المرتكزات، تتحول الشاشة إلى أداة لتسويق سياسات حزبية خبيثة لا تمت إلى الرسالة الإعلامية بصلة، تلك الرسالة التي من المفترض أن تكون العين الساهرة على مصالح الشعوب وحقوقها لكننا اليوم نجد البعض يستخدم المنابر الإعلامية كوسيلة لتحقيق مكاسب شخصية آنية وسريعة، متجاهلين حجم الأمانة الملقاة على عاتقهم لقد تحول الإعلامي الطموح من راعٍ للحق إلى مجرد نجم لامع في سماء زائفة، يعتمد على الجدل والشهرة الزائفة، مطمئناً إلى ثقافة الانتقاد اللاذع والشتائم التي باتت تسيطر على المشهد.

ومن هذا المنطلق، لطالما أشرت إلى جوهر هذه المعضلة الأخلاقية المتجذرة في عصب القضية الإعلامية فالمسألة ليست سياسية بحتة، وإنما هي انعكاس لأزمة أخلاقية ومجتمعية متجذرة في كل قطاعات المجتمع وهذه الأزمة ليست متعلقة فقط بقمم السلطة وصانعي القرار، بل تمتد حتى إلى أدنى المراتب الوظيفية في جسد الدولة الجميع يعيشون في ظل ثقافة خالية من الالتزام الأخلاقي والمبادئ الإنسانية، مما ساهم بشكل مباشر في خلق إعلام لا علاقة له بجوهر الرسالة النبيلة التي يجب أن يحملها.

اليوم، بدلاً من أن يكون الإعلام ناقلاً أميناً للحقيقة وعاكساً لمعاناة المواطنين وآمالهم، تحول إلى ذراع لتجار التشويه والدعاية المغرضة على حد قول “جوزيف غوبلز” وزير الدعاية النازية حين قال “أعطني إعلاماً بلا ضمير، أعطِك شعباً بلا وعي” لقد فهم غوبلز مبكراً قوة الإعلام وسخره كأداة نفسية لاستقطاب الجماهير وتوجيههم نحو الزيف عبر شعاره الملعون “اكذب اكذب حتى يصدقك الناس” بهذا الدهاء، حول الإعلام النازي خداعه إلى عصا سحرية تسيّر البسطاء وتُشكّل تصورهم عن الواقع.

نحن الآن نعيش واقعاً إعلامياً يذكرنا بذلك السحر الأسود، حيث أصبحت المؤسسات الإعلامية تعتمد على التضليل التجاري والتسويق للفتن كدكاكين تُدير بورصة الشائعات والأكاذيب دون رادع أخلاقي أو قيمي ما كان يُنتظر من الإعلام العراقي والعربي على حد سواء هو أن يكون صوت من لا صوت له صوت المظلومين صوت الحكمة والعقلانية والموضوعية ومنصة لنشر الحقيقة بروح حيادية خالية من التحزب أو المزايدات الرخيصة.

لكن، بدلاً من ذلك، اقتحمت الساحة أقلام هشة وأصوات مصابة بفوبيا الشهرة الزائفة تسعى وراء الثراء السريع وبناء أمجاد شخصية ولو على حساب شعوب بأكملها لقد أصبح واضحاً بأن صلب الأزمة العراقية والعربية يتلخص في ثلاثية قاتلة يمارسها مأجورو الشاشات بحرفية مريضة التلقين للأفكار المضللة، نشر الكذب كحقيقة مؤكدة، والتحريض على التفرقة .

إنها دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في رسالتنا الإعلامية وتجديد الالتزام بأخلاقيات المهنة وقيمها النبيلة لأن ما يُبنى على الأكاذيب لا يمكن أن يحمل في طياته سوى الانهيار الحتمي والمزيد من التخبط لمجتمعاتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى