
لا نصمت… حتى لا يأتي الدور علينا
بقلم: د. غزال أبو ريا
في صفحات التاريخ الإنساني، هناك كلمات تتجاوز زمنها، وتتحول إلى ضميرٍ حيٍّ يوقظ الأجيال. من بين هذه الكلمات ما قاله القس الألماني مارتن نيملر بعد تجربته القاسية في ظل الحكم النازي، حين أدرك متأخرًا خطورة الصمت أمام الظلم.
قال نيملر:
“أولاً جاءوا من أجل الشيوعيين، ولم أتكلم لأنني لم أكن شيوعيًا.
ثم جاءوا من أجل الاشتراكيين، ولم أتكلم لأنني لم أكن اشتراكيًا.
ثم جاءوا من أجل النقابيين، ولم أتكلم لأنني لم أكن نقابيًا.
ثم جاءوا من أجل اليهود، ولم أتكلم لأنني لم أكن يهوديًا.
ثم جاءوا من أجلي — ولم يبقَ أحد ليتكلم عني.”
هذه الكلمات ليست مجرد اعتراف تاريخي، بل تحذير أخلاقي عابر للزمن. إنها تضع أمامنا سؤالاً صريحًا:
متى يصبح الصمت شراكة غير مباشرة في الظلم؟
في مجتمعاتنا، قد نرى تجاوزًا هنا، وإقصاءً هناك، وخطاب كراهية يتسلل إلى النقاش العام، فنختار الصمت بحجة أن الأمر لا يعنينا مباشرة. لكن الحقيقة أن العدالة لا تتجزأ، وأن كرامة الإنسان ليست شأنًا خاصًا بفئة دون أخرى.
حين نسكت عن ظلم يقع على غيرنا، فإننا نُضعف البنية الأخلاقية لمجتمعنا بأسره.
وحين نرفع صوتنا دفاعًا عن الحق — حتى لو لم نكن المعنيين مباشرة — فإننا نحمي أنفسنا قبل أن نحمي الآخرين.
المجتمع السليم لا يُقاس فقط بقوة مؤسساته، بل بجرأة أفراده في قول كلمة الحق.
الصمت قد يمنحنا راحة مؤقتة، لكنه قد يورثنا ندمًا دائمًا.
أما الكلمة المسؤولة، والموقف الأخلاقي، والتضامن الإنساني — فهي التي تصنع مستقبلًا أكثر عدلاً وأمانًا.
فلنتعلم من التاريخ، لا لنستعيد آلامه، بل لنمنع تكرارها.
ولنتذكر دائمًا:
إذا لم نتكلم اليوم دفاعًا عن غيرنا، فقد لا نجد غدًا من يتكلم عنا.



