الرئيسيةمقالات

حين يُعلن الهلال انقسامنا… ويبكي رمضان في صمت الأمة حلّ شهر رمضان المبارك…

الشهر الذي أراده الله موسمَ وحدةٍ وتراحم، فإذا به يتحوّل في كل عام إلى مرآةٍ لانقسامنا.

بدل أن يجمع شمل المسلمين، يتشتّت الجمع.

تُعلن دولةٌ الصيام، وتؤجله أخرى، ويقف الناس بين فتاوى متباينة، ورؤى متعارضة، وتقويمٍ موحّدٍ على هواتفهم… وأهلةٍ مختلفةٍ في سمائهم!

أيُّ مفارقةٍ هذه؟

أمّةٌ تُحسن حساب مسارات الأقمار الصناعية بدقّة الملي ثانية، ولا تزال تختلف على ميلاد هلالٍ يُرى بالعين المجرّدة أو يُثبت بالحساب الفلكي.

بين النصّ والواقع

لم يكن الخلاف في مسألة الرؤية وليد اليوم، فقد عُرف منذ العصور الأولى، غير أنّه كان اختلاف تنوّعٍ فقهيٍّ داخل فضاءٍ حضاريٍّ واحد.

أما اليوم، فقد تحوّل إلى رمزٍ لتباعدٍ سياسيٍّ ومناطقيٍّ ومذهبيٍّ، حتى صار الهلال أحيانًا أقرب إلى حدود الدول منه إلى وحدة القبلة.

في القرن الحادي والعشرين، حيث تتوحّد البثوث الفضائية، وتتزامن الأسواق المالية، وتتشابك أنظمة الملاحة العالمية، نقف نحن مختلفين: هل رأيناه؟ أم لم نره؟

وهل نعتمد الرؤية المحلية؟ أم العالمية؟ أم الحساب الفلكي القطعي؟

من اختلاف فقهي إلى أزمة وعي

ليست المشكلة في الفقه ذاته؛ فالفقه رحمة، وتعدّد الاجتهادات ثراء.

لكن المشكلة حين يتحوّل الاجتهاد إلى راية اصطفاف، أو يصبح إعلان الصيام بيانًا سياديًا لا قرارًا تعبديًا.

الهلال لم يعد جرمًا سماويًا فحسب، بل صار امتحانًا لوحدة الإرادة الإسلامية.

فهل يعجز مليارا مسلم عن إنشاء هيئة علمية موحّدة، تجمع بين الشرع والعلم، وتعلن رؤيةً جامعةً تحترم النص وتستفيد من اليقين العلمي؟

نختلف على بداية الشهر، فنختلف على العيد، بل أحيانًا يختلف أبناء البيت الواحد، والجالية الواحدة في المدينة ذاتها.

أي صورةٍ هذه التي نقدّمها للعالم عن أمّةٍ تقول: “إنما المؤمنون إخوة”؟

رمضان الذي أراده الله

رمضان ليس مجرد إمساكٍ عن الطعام والشراب، بل إمساكٌ عن الأنانية، عن تضخّم الذات، عن التفرّق الذي ينهش الجسد الواحد.

شهرٌ أراده الله مدرسةً للوحدة الشعورية:

نصوم معًا، نفطر معًا، نقف في صلاةٍ واحدة، وندعو بدعاءٍ واحد.

فإذا كان الجوع يوحّد المعدة، فلماذا لا توحّدنا الغاية؟

إلى متى؟

إلى متى يبقى الهلال شاهدًا على عجزنا؟

إلى متى تسبقنا التكنولوجيا، ونتأخر عن اتخاذ قرارٍ جامع؟

إلى متى نبكي على أطلال أمجاد الوحدة، بينما نعجز عن توحيد تقويمٍ قمريٍّ واحد؟ لسنا بحاجةٍ إلى معجزة.

بل إلى إرادةٍ تتجاوز الحسابات الضيّقة، وتُدرك أن وحدة الشعيرة جزءٌ من وحدة المصير.

حين يبكي الهلال

ربما لا يبكي الهلال، لكننا نحن من نبكي حين نرى الأمة متفرقةً في لحظةٍ يفترض أن تكون الأشد اجتماعًا.

رمضان لا ينقص حين نختلف، لكن صورتنا نحن هي التي تنقص.

والخلل ليس في السماء… بل في الأرض.

لعلّ السؤال الأصدق ليس:

لماذا اختلفنا على رؤية الهلال؟

بل: لماذا لم نتفق بعد على رؤية أنفسنا أمّةً واحدة؟

حين نجيب عن هذا السؤال…

سيولد الهلال في قلوبنا قبل أن يولد في السماء

وكل عام  والأمة  بخير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى