خواطرمقالات

بيوتٌ أذن الله أن تُرفع: نبض الإيمان في مواجهة جفاء المادة

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

​تقف اليوم في قلب القارة الأوروبية صروحٌ معمارية غاية في الدقة والجمال، كنائس ومعابد كانت يوماً ما ملء السمع والبصر، لكنها اليوم تكتسي بصمتٍ موحش، وتحولت في كثير من المدن إلى مجرد متاحف صامتة أو معالم سياحية يقصدها الغرباء لالتقاط الصور، لا للصلاة والتبتل. إن هذا المشهد ليس مجرد “أزمة دور عبادة” عابرة، بل هو صرخة مكتومة تعلن إفلاس الروح في مواجهة المادية الطاغية، وثمرة مُرّة لقرون من الفصل النكد بين نظام السماء وشؤون الأرض.

​المسجد: كينونة تتجاوز الحجر
​في المقابل، يبرز المسجد في التصور الإسلامي ككيان حي لا يموت بمجرد خروج المصلين منه؛ لأنه لم يكن يوماً مكاناً “للعزلة الروحية” المقطوعة عن نبض الواقع. إن المسجد في الإسلام هو القلب النابض الذي يضخ دماء الإيمان في عروق المجتمع، وهو المركز الذي انطلقت منه أعظم حضارة عرفتها البشرية، تلك التي لم تفاضل يوماً بين السجود للخالق وبين عمارة الكون.
​إن سر حيوية المساجد يكمن في شمولية المنهج الإسلامي؛ فبينما حصر غيرنا قدسية العبادة في يوم واحد أو في طقوس كهنوتية باهتة لا تلمس شغاف القلب، جعل الإسلام الصلاة خمس نبضات موزعة على مدار اليوم والليلة. إنها “محطات تزود” تربط العبد بخالقه في عز انشغاله بدنياه، فتقيه من الانزلاق في دوامة الآلة، وتذكره في كل “حي على الصلاة” أن هناك مرجعاً أعلى يتجاوز حدود المادة والربح والخسارة.
​التفاعل الاجتماعي: مدرسة بناء الإنسان
​المسجد في ديننا ليس مجرد سقف وجدران، بل هو مؤسسة اجتماعية متكاملة. هو مدرسة العلم التي تبدأ من تعليم الحروف وتنتهي بتخريج الفلاسفة والعلماء، وهو منبع التكافل الذي يتحسس آلام الفقراء خلف الأبواب المغلقة، وهو ميدان الشورى واللحمة الوطنية. في ساحة المسجد تذوب الفوارق الطبقية، ويصطف الغني والفقير، والأبيض والأسود، والوزير والعامل، في وحدة شعورية تجعل هجران هذا المكان أمراً مستحيلاً ما دام الإيمان نابضاً في القلوب.
​لماذا صمتت معابدهم؟
​حين عصفت الثورات العلمية والصناعية بأوروبا، وحول “عصر التنوير” الإنسان إلى مركز للكون بدلاً من الخالق، وجدت المؤسسات الدينية التقليدية نفسها عاجزة عن تقديم إجابات تشفي غليل العقل وتطمئن الروح. اكتفت تلك المعابد بتقديم “فتات روحي” واهٍ، لا يصمد أمام ضغوط الحياة الصناعية ولا يواجه تساؤلات المنهج التجريبي. تحول الإنسان هناك إلى “ترس في آلة” ضخمة، فقد غايته الوجودية وأصبح يبحث عن معنى لحياته فلا يجده في طقوس باردة لا تخاطب عقله ولا تلمس واقعه.
​أمل في رحم الفراغ الروحي
​إن شموخ المآذن اليوم في قلب القارات التي تعاني خواءً وجدانياً ليس استعراضاً للقوة، بل هو عرضٌ “للحل البديل”. إن البشرية، مهما توغلت في الإلحاد أو سكرت بخمر المادية، ستظل أبداً متعطشة لنور الوحي. إن تلك المساجد التي تضج بحلقات الذكر، وتعج بالشباب الباحث عن الطهر، وتفتتح أبوابها للغريب والمحتاج، هي “القلاع الأخيرة” التي تحمي إنسانية الإنسان من التفتت.
​إن المسجد يظل منارة الأمان، لأنه لا يطلب من الإنسان أن يترك حياته ليقترب من الله، بل يعلمه كيف يجعل حياته كلها لله. ومن هنا، تظل المساجد عامرة بذكر الله، نابضة بروح الجماعة، عصية على النسيان.
​”فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى