اقلام حرةمقالات

المصريون في الخارج : من ثروة قومية يدعم الإقتصاد إلي “ملطشة ” رسمية غير مبررة

الإعلامي إكرامي هاشم ممثل منظمة همسة في إيطاليا

 

المصريون في الخارج: من ثروة قومية يدعم الاقتصاد إلى “ملطشة” رسمية غير مبررة

لم يعد المصريون في الخارج يفاجَأون بالقرارات الصادمة، بل باتوا على موعد شبه سنوي معها.
قرارات تتوالى بلا تمهيد، وبلا حوار، وبلا اعتبار لتأثيرها التراكمي، لتعمّق يومًا بعد يوم الفجوة بينهم وبين دولتهم. في كل مرة يُطلب من المصري المغترب أن يتحمّل، وأن “يصبر من أجل البلد”، لكنه في المقابل لا يرى إلا مزيدًا من الأعباء والرسوم، وكأن نجاحه في الخارج وتحويلاته المنتظمة باتا مبررًا لاستهدافه لا لتقديره.

وفي كل دول العالم، تُعتبر الجاليات في الخارج ركيزة استراتيجية للاقتصاد وللعلاقات الدولية، بينما في الحالة المصرية يتحول المغترب تدريجيًا من رصيد وطني إلى ملف مالي يُفتح كلما ضاقت الخيارات. المصري في الخارج ليس مجرد رقم في إحصاءات البنك المركزي، بل هو شريان حقيقي للعملة الصعبة، وقد أكدت أحدث بيانات البنك المركزي المصري أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت قفزات تاريخية، إذ بلغت نحو 32.8 مليار دولار خلال 11 شهرًا من العام المالي 2024/2025، بزيادة تقارب 70%، كما ارتفعت خلال أول 9 أشهر من نفس العام المالي إلى نحو 26.4 مليار دولار بزيادة تجاوزت 82% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

ورغم هذه الأرقام اللافتة، جاءت الصدمة الأخيرة مع قرار فرض رسوم جمركية مرتفعة على الهواتف المحمولة التي يجلبها المصريون المقيمون بالخارج عند عودتهم المؤقتة للوطن. قرار فجّر موجة غضب واسعة بين الجاليات المصرية، ودفع البعض إلى إطلاق حملة احتجاجية تحت شعار «أوقفوا تحويلات المصريين بالخارج»، كرسالة عقابية سريعة للدولة، تعبيرًا عن شعور متراكم بأن السياسات الرسمية لم تعد ترى فيهم شركاء، بل مصدرًا سهلًا للجباية.

اللافت أن هذا القرار، الذي يُسوّق على أنه لمكافحة التهريب أو دعم الصناعة المحلية، لا يحقق أيًا من الهدفين. بل على العكس، يفتح الباب على مصراعيه لتوسّع السوق السوداء، ويعاقب المواطن الملتزم، بينما ينجو من العقاب من يعمل خارج المنظومة الرسمية. إجبار الناس على شراء منتج غير منافس بقوة القانون لا يصنع صناعة، بل يصنع احتقانًا وخسائر مضاعفة، حيث تكسب الدولة جنيهًا وتخسر عشرة.

المسألة لم تعد مالية فقط، بل نفسية ومعنوية. هناك شعور متزايد لدى المصري في الخارج بأنه مُستهدف ومُهان، وأن كل زيارة للوطن قد تحمل معها قرارًا جديدًا يثقل كاهله. لا حوار، لا إشراك، لا تفسير مسبق… فقط قرارات تُلقى من أعلى، وكأن من يعيش خارج الحدود لا يستحق حتى أن يُستمع إليه.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين نواب البرلمان الذين يطلقون على أنفسهم “نواب المصريين بالخارج”؟
هل قاموا بدورهم الحقيقي في الدفاع عن ناخبيهم؟
وهل تحركت لجنة المصريين بالخارج في مجلس النواب لمناقشة الأثر الاقتصادي والنفسي لمثل هذه القرارات؟ أم أن دورها اقتصر على الظهور الموسمي والتصريحات العامة؟

كما أن من حق المصريين بالخارج انتظار توضيح شفاف من السيد نبيل حبشي، مساعد وزير الخارجية لشؤون المصريين بالخارج، حول ما إذا كانت هذه السياسات قد دُرست بالتشاور مع الجاليات، أو أُخذ في الاعتبار تأثيرها المباشر على التحويلات والثقة بين المواطن ودولته.

ومن هنا، يأتي النداء الأهم إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي:
المصريون في الخارج ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم أحد أعمدتها الاقتصادية الأساسية. استمرار السياسات التي تفاجئهم وتُثقل كاهلهم وتُشعرهم بالاستهداف، لا يضرهم وحدهم، بل يضر بمصر ذاتها. التدخل لإيقاف هذا القرار وإلغائه سيكون خطوة تصحيح ضرورية، ورسالة طمأنة لملايين المصريين بأن دولتهم لا تعاقب أبناءها لأنهم نجحوا خارجها.

إن استمر التعامل مع المصري بالخارج باعتباره ملطشة جاهزة لكل قرار اقتصادي مرتبك، فلن نخسر فقط دولارات التحويلات، بل سنخسر ما هو أخطر: الثقة، والانتماء، والإحساس بأن هذا الوطن يقدّر من يدعمه لا من يثقل كاهله

إغلاق