الجزء الثالث من السلسلة : متى يبدأ العصر الجاهلي؟ ومتى ينتهي؟
الدكتورة فاطمة ابوواصل إغبارية

في المقالين السابقين توقفنا عند سؤالين:
الجاهلية… هل كانت جاهلية اللغة؟ ثم: كيف أصبحت «الجاهلية» اسمًا لعصر؟
وتبين لنا أن «الجاهلية» لم تكن في أصل استعمالها مجرد اسم لفترة زمنية، وإنما ارتبطت بدلالات تتصل بالحكم والتصور والسلوك، ثم استقر استعمالها في التراث الإسلامي للدلالة على ما قبل الإسلام.
لكن هذا يقودنا إلى سؤال أكثر دقة:
إذا كانت الجاهلية اسمًا لعصر، فأين تبدأ حدوده وأين تنتهي؟ وهل للجاهلية بداية محددة؟
حين نقول اليوم «العصر الجاهلي»، يبدو أننا أمام مرحلة تاريخية ذات بداية ونهاية واضحتين.
لكن التاريخ لا يقدم لنا هذا الحد بهذه البساطة.
فالجاهلية لم تكن دولة ذات حدود سياسية، ولا حضارة واحدة نشأت في تاريخ محدد ثم انتهت في تاريخ محدد. إنها تسمية أطلقت على ما قبل الإسلام، ثم أصبحت في تاريخ الأدب عنوانًا لمرحلة من مراحل الأدب العربي.
ولهذا ينبغي أن نفرق بين الجاهلية بوصفها مفهومًا تاريخيًا ودينيًا، وبين العصر الجاهلي بوصفه مصطلحًا في تاريخ الأدب.
فالقرآن نفسه يستعمل لفظ الجاهلية في سياقات متعددة، منها قوله تعالى:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.
وهذا الاستعمال لا يقدم لنا جدولًا زمنيًا بحدود السنوات، وإنما يصف الجاهلية من خلال ما ارتبط بها من أحوال وممارسات وتصورات. وقد اختلف المفسرون في دلالة «الأولى» في الآية: أهي وصف للجاهلية السابقة للإسلام، أم إشارة إلى مرحلة أقدم؟ ولذلك لا يصح بناء تقسيم زمني صارم عليها.
متى تبدأ إذن؟
————
إذا كان السؤال عن الجاهلية في الاستعمال الإسلامي، فإن الحد الفاصل الأوضح هو الإسلام وما سبقه.
أما إذا كان السؤال عن العصر الجاهلي في تاريخ الأدب، فالأمر مختلف.
فمؤرخ الأدب لا يبحث عن لحظة بدأت فيها «الجاهلية» ثم انتهت، وإنما يستخدم المصطلح لتصنيف الأدب العربي السابق للإسلام، وبخاصة الشعر الذي وصلنا من القرون القريبة من البعثة.
ولهذا نجد في كتب تاريخ الأدب تقسيمًا للشعر إلى جاهلي، ومخضرم، وإسلامي، ومولّد؛ فالشعر الجاهلي هو ما نُسب إلى من عاشوا قبل الإسلام، بينما عُدَّ شعر من أدرك الجاهلية والإسلام من الشعر المخضرم.
وهنا تظهر مسألة مهمة:
حدود العصر الأدبي ليست بالضرورة حدودًا للتاريخ نفسه.
فالشاعر الذي عاش سنوات في الجاهلية ثم أدرك الإسلام لا يمكن أن نضع حياته كلها في خانة زمنية واحدة لمجرد أن المصطلح يطلب منا ذلك.
ومتى ينتهي العصر الجاهلي؟
هنا يبدو الأمر أوضح.
يرتبط الحد الفاصل في التأريخ الأدبي بظهور الإسلام والبعثة النبوية، ثم بما نشأ بعد ذلك من أدب إسلامي.
لكن التحول التاريخي لا يحدث في لحظة واحدة.
فالإسلام أحدث تحولًا عميقًا في العقيدة والتشريع والقيم والتصور الإنساني، لكن المجتمع لم يتغير كله في يوم واحد، ولم تختفِ عناصر المرحلة السابقة بمجرد ظهور الإسلام.
وهذا ما يجعل الحد الزمني شيئًا، والتحول الثقافي والحضاري شيئًا آخر.
قد ينتهي العصر في كتب المؤرخين، بينما تستمر بعض لغته وأشكاله الشعرية وقيمه وطرائق التعبير فيه داخل العصر الجديد.
ومن هنا ظهر في تاريخ الأدب مفهوم الشاعر المخضرم: شاعر عاش المرحلتين، فلم يكن الانتقال بينهما جدارًا يفصل حياة الإنسان إلى نصفين.
إذن، ما العصر الجاهلي الذي ندرسه؟
———————-
هو، في النهاية، مصطلح أدبي أكثر منه ساعةً تاريخية دقيقة.
نحن نستخدمه للدلالة على الأدب العربي السابق للإسلام، ولا سيما الشعر الذي وصلنا من الفترة الأقرب إلى الإسلام.
لكن علينا ألا نحول المصطلح إلى حقيقة جامدة، فنفترض أن كل ما سبق الإسلام متشابه، أو أن كل ما وصلنا من الشعر يمثل الأدب العربي في تلك المرحلة بأكمله.
فهنا تبدأ مشكلة أخرى أكثر أهمية:
ما وصل إلينا ليس بالضرورة كل ما قيل.
إننا نعرف الأدب الجاهلي من خلال ما بقي منه، وما حفظته الرواية، وما نقله الرواة، وما جمعه العلماء، وما دخل كتب الأدب واللغة.
وهذا يعني أن صورة الجاهلية الأدبية التي نعرفها اليوم لم تتشكل من الشعراء وحدهم.
لقد شارك في تشكيلها الرواة والعلماء واللغويون والنقاد والمؤرخون.
ومن هنا يصبح السؤال التالي أكثر إثارة:
كيف وصل إلينا الشعر الجاهلي؟
هل وصل إلينا كما قيل أول مرة؟
كم منه حفظته الذاكرة؟
وكم منه ضاع؟
وهل كان الراوي ناقلًا محايدًا دائمًا، أم كان له دور في تشكيل النص الذي وصل إلينا؟
هنا نصل إلى واحدة من أهم القضايا في تاريخ الأدب العربي:

