أبحاث ودراساتأرشيف أعمال وأبحاث الدكتورة فاطمة إغباريةمحاضرات

الخير فيما اختاره الله… فكيف دخلت الخِيرة إلى العبارة؟

الدكتورة فاطمة ابوواصل إعبارية

هناك عبارات لا نعود نسمعها لأننا اخترناها، وإنما لأننا ورثناها عن الكلام. تتناقلها الألسنة حتى تصبح مألوفة إلى درجة أننا لا نعود نسأل عن أصلها، ولا عن الكلمة التي استقرت فيها، ولا عمّا إذا كانت تؤدي المعنى الذي نريده منها حقًا.

ومن هذه العبارات:

«الخِيرة فيما يختاره الله».
——————
تقال في مقام المواساة، وتقال حين يخالف الواقع رغباتنا، وتقال لمن فقد شيئًا كان يظنه خيرًا له، فنذكّره بأن اختيار الله أرحم وأحكم من اختيار الإنسان لنفسه.

والمعنى الذي وراء العبارة لا خلاف عليه في وجدان المؤمن: الإنسان لا يرى من الأمر إلا ظاهره، ولا يحيط بعواقبه، أما اختيار الله فليس محكومًا بحدود نظر الإنسان.

لكن السؤال الذي يعنيني هنا ليس عن المعنى الإيماني، وإنما عن اللغة التي حملت هذا المعنى:

هل نقول: الخِيرة فيما يختاره الله؟

أم أن الأوفى بالمعنى أن نقول: الخير فيما اختاره الله؟

قد تبدو المسألة لأول وهلة مجرد فرق بين كلمتين متقاربتين، غير أن العربية لا تعامل الكلمات المتشابهة في الصوت على أنها متشابهة في الدلالة. وربما كان هذا أحد أكثر المواضع التي تكشف لنا أهمية الحركة والاشتقاق في صناعة المعنى.

الخير غير الخِيرة
—————
حين نقول الخير فنحن أمام معنى معروف في العربية، يقابله الشر، ويتسع لما فيه النفع والصلاح والحسن.

أما الخِيرة فبابها باب آخر؛ فهي متصلة بالاختيار والانتقاء، وبأن يُفضَّل شيء على غيره.

ومن هنا لا يصح أن نضع الكلمتين في الجملة وكأنهما تؤديان وظيفة واحدة.

ففي قولنا: «الخير فيما اختاره الله» تتجه الدلالة إلى المختار.

نحن نقول إن الشيء الذي وقع عليه اختيار الله هو الخير.

أما في: «الخِيرة فيما يختاره الله»

فإن كلمة «الخِيرة» تحيل أصلًا إلى معنى الاختيار، ثم يأتي الفعل «يختار» في الجملة حاملًا المعنى نفسه.

وهنا يحدث شيء دقيق في بناء العبارة.

نحن نريد أن نقول إن ما اختاره الله خير، لكننا بدلًا من أن نحكم على المختار بالخير، جعلنا الكلام يدور حول الاختيار نفسه.

والفرق بين الأمرين ليس يسيرًا. الكلمة التي تغيّر اتجاه الجملة لو قلنا: «اختيار الله خير» فالمعنى واضح. ولو قلنا: «ما اختاره الله خير» فالمعنى أوضح.

ولو قلنا «الخير فيما اختاره الله» فقد انتقلنا من الإخبار إلى تقرير معنى أشمل: الخير موجود فيما اختاره الله، وإن لم يظهر لنا وجهه في البداية.

أما «الخِيرة» فليست هي «الخير» حتى تحل محلها.

وهنا تظهر دقة العربية: قد يجتمع اللفظان في جذر واحد، وقد تتجاور معانيهما، ولكن الاشتقاق الواحد لا يجعل المشتقات متطابقة في الوظيفة والمعنى.

من أين جاء الالتباس؟
—————-
ربما كان قرب اللفظين سببًا من أسباب الالتباس. فالسامع حين يسمع: الخِيرة قد يستحضر سريعًا: الخير.

وكلاهما يدور في فضاء دلالي قريب من الاختيار والتفضيل، ولذلك لم تبدُ العبارة غريبة على السمع.

ثم إن الاستعمال المتكرر يفعل فعلًا قويًا في اللغة؛ إذ يمنح العبارة المألوفة نوعًا من الحصانة.

نرددها لأننا سمعناها، ثم نسمعها لأن غيرنا يرددها، حتى يصبح السؤال عن صحتها أقل حضورًا من حضورها في الذاكرة.

لكن اللغة لا تُقاس بالمألوف وحده.
——————-
ليس كل ما شاع فصيحًا، ولا كل ما شاع خطأ وهنا ينبغي أن نكون أكثر حذرًا.

ليس من المنهج أن نحكم على عبارة بأنها خطأ لمجرد أنها لا تعجبنا، كما لا يصح أن نحكم بصحتها لمجرد أنها شائعة.

فاللغة أوسع من أحكامنا السريعة، والمعاجم وشواهد الاستعمال هي الفيصل.

ولهذا فإن المسألة الأدق ليست أن نقول ببساطة: «الخِيرة خطأ».

بل أن نقول: إن الخِيرة والـخير مختلفتان دلالةً، وإن التعبير بـ:

«الخير فيما اختاره الله»

أدق في أداء المعنى الذي تقصده العبارة الشائعة.

وهذا فرق مهم بين تخطئة اللفظ وترجيح التعبير الأدق.

لماذا «الخير فيما اختاره الله» أجمل وأدق؟ لأنها تبني الجملة على علاقة واضحة:

الخير ← فيما اختاره الله. أي أن الخير هو الحكم، وما اختاره الله هو محل هذا الحكم.

وفيها أيضًا انسجام لطيف بين الفعل والنتيجة: اختار الله → الخير.

أما الإنسان فقد يختار ما يراه خيرًا، ثم تكشف الأيام أن اختياره لم يكن كذلك.

وهنا تكمن قوة العبارة. فالإنسان يختار وفق ما يرى، أما الله فيختار وفق ما يعلم.

لذلك حين نقول: «الخير فيما اختاره الله»

فنحن لا نزعم أن كل ما نمر به سيكون سهلًا، ولا أن الإنسان لن يحزن على ما فقد، ولا أن الألم يتحول فجأة إلى راحة. نحن نقول شيئًا أكثر عمقًا:

إن عدم رؤيتنا للخير لا يعني غيابه. اللغة هنا ليست منفصلة عن الفكرة

وهذا ما يجعل تصحيح العبارة أكثر من مسألة لغوية عابرة.

فالكلمة لا تأتي وحدها؛ إنها تحمل معها طريقة في النظر إلى الأشياء.

حين نقول: «الخِيرة فيما يختاره الله»

يبرز معنى الاختيار. وحين نقول: «الخير فيما اختاره الله»

يبرز معنى الثقة بما وقع عليه الاختيار.

والثانية هي التي تحمل المعنى الذي نبحث عنه.

ربما لهذا تبدو بعض العبارات صحيحة في القلب، لكن عند وضعها على ميزان اللغة نكتشف أنها تحتاج إلى شيء من المراجعة.

فالقلب قد يطمئن إلى المعنى، لكن اللغة مطالبة بأن تؤدي هذا المعنى بأدق صورة ممكنة.

وفي النهاية…

لا أرى أن قيمة اللغة في أن نصطاد أخطاء الناس، ولا أن نعلن الحرب على العبارات التي ألفوها.

قيمة اللغة في أن تجعلنا أكثر انتباهًا إلى ما نقول.

فالكلمات التي نرددها كل يوم تستحق أن نسأل عنها أحيانًا:

هل قالت ما أردناه؟ هل أدت المعنى الذي قصدناه؟

وهل هناك كلمة أقرب إلى مرادنا منها؟ وفي هذه العبارة تحديدًا، يبدو لي أن الفرق يستحق أن يُقال:

لسنا بحاجة إلى «الخِيرة» لنقول إن اختيار الله خير.

يكفينا أن نقول: الخير فيما اختاره الله.

فقد تكون الكلمة الواحدة صغيرة في حجمها، لكنها حين تدخل الجملة تغيّر وجه المعنى كله.

وهنا تكمن إحدى روائع العربية:

أن حركةً على حرف، أو فرقًا بين مشتقين من جذر واحد، قد تنقلنا من معنى إلى معنى، ومن عبارة مألوفة إلى عبارة أدق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى