الإنسانية الكامنة دراسة في الصفات النبيلة للإنسان
د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنساني

لولا المحبة في جوانحه ما أصبح الإنسان إنسانًا وحتى تنال مرتبة الإنسانية عليك أن تحب الجميع دون قيود أو استثناءات فالمحبة هي الخطوة الأولى للمحافظة على الإنسانية المودعة في داخلنا واستعادة ما فقدناه منها فالإنسانية ليست مجرد صفة نطلقها على الإنسان وإنما هي مرتبة يصل إليها بعض البشر عندما ترتقي أرواحهم ويصبحون أكثر قدرة على رؤية الحياة بعين الرحمة والمحبة والتسامح وإنها روح الإنسان التي يستنير بها جسده ومنها يستمد قوته وبها يرى الأشياء كما يريد أن يراها فما يبدو لنا قبيحًا قد يراه غيرنا جميلًا وما نراه جميلًا قد لا يراه الآخر كذلك وهذا يعني أن الجمال ليس قائمًا خارج ذات الإنسان فحسب وإنما إن الجمال الحقيقي يسكن في أعماق الروح الإنسانية.
والإنسانية في جوهرها هي جوهر النفس البشرية فهي مجموعة من المشاعر والقيم والسلوكيات التي تميز الإنسان عن غيره وتكشف مدى ميله الفطري إلى فعل الخير والصلاح للآخرين ومن أبرز مظاهرها الرحمة، والعطاء والإحسان والعدل والمساواة والتحرر من الأنانية ومراعاة مصالح الآخرين والحرص على كرامتهم وحقوقهم وكما أن الإنسانية تتجلى في طبيعة العلاقات التي تربط الإنسان بغيره من البشر بل وبالكائنات الأخرى من حوله فكلما كانت هذه العلاقات قائمة على الرحمة والاحترام والتعاون اقترب الإنسان من جوهر إنسانيته ومن هنا تأتي أهمية النظرة الكلية للأديان والقيم الروحية التي تسعى في جوهرها إلى تحقيق الخير والمصلحة للإنسان وللآخرين من حوله، بعيدًا عن الأنانية والانفراد بالنفس فالإنسانية الحقيقية ترفض ما يناقض القيم النبيلة كالجشع والخداع والظلم والتسلط وحب الامتلاك المفرط والنزعات التي تدفع الإنسان إلى إيذاء غيره أو الانتقاص من كرامته إذن الإنسانية هي الطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين هي الكلمة الطيبة والمعاملة اللطيفة والرضا والقناعة والابتعاد عن الظلم وتفضيل النفس على الآخرين وهي كذلك الابتعاد عن العنف سواء كان لفظيًا يؤذي مشاعر الآخرين بالسخرية والإهانة والاستخفاف أم جسديًا يتمثل في الاعتداء وإلحاق الأذى بالغير ومن الإنسانية أيضًا أن نراعي ظروف من حولنا، وأن نتعقل قبل أن نحكم وأن نتحلى بالثبات وضبط النفس وأن ندرك أن لكل إنسان ظروفه ومشاعره وتجربته الخاصة فالإنسانية في النهاية ليست كلمة تُقال ولا شعارًا يُرفع وإنما هي أخلاق تُمارس ورحمة تُمنح وكرامة تُصان وأذى يُمنع وكلما توقّر الإنسانُ الإنسانَ واحترم ضعفه وقدّر ظروفه وأحسن التعامل معه اقترب أكثر من تلك الإنسانية الكامنة في أعماقه فالإنسان لا يصبح إنسانًا كامل الإنسانية بمجرد انتمائه إلى البشر وإنما بما يحمله في قلبه من محبة وما يقدمه للآخرين من رحمة وخير .



