أرشيف أعمال وأبحاث الدكتورة فاطمة إغباريةمحاضرات

ملخص محاضرتي لطلاب الدراسات العليا للناطقين بغيرها المحاضرة الثانية من سلسلة محاضرات الدراسات العليا في تحليل الأخطاء اللغوية في تعليم العربية للناطقين بغيرها

الدكتورة فآطمة آبوواصل. إغبارية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

في محاضرتنا اليوم نكمل ما بدأناه في المحاضرة السابقة، وهي المحاضرة الثانية من سلسلة محاضرات تحليل الأخطاء اللغوية في تعليم العربية للناطقين بغيرها.

انطلقنا في المحاضرة الماضية من فكرة رئيسة، وهي أن الخطأ اللغوي ليس مجرد انحراف عن الصواب، بل هو رسالة علمية تكشف لنا كيف يتعلم المتعلم اللغة، وكيف يبني نظامه اللغوي تدريجيًا. فالقيمة العلمية للخطأ لا تكمن في وجوده فحسب، وإنما في قدرتنا على قراءته قراءة علمية تمكّننا من تشخيص الصعوبات، وبناء معالجات تعليمية أكثر فاعلية.

واليوم نخطو خطوة أخرى في هذا المسار، لنناقش قضية تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في الحقيقة تمثل الأساس الذي تقوم عليه الدراسات المتعلقة بتحليل الأخطاء، وهي مفهوم الخطأ اللغوي.

وأود أن أبدأ معكم بسؤال:

هل يمكن أن نحلل شيئًا قبل أن نتفق على مفهومه؟

الإجابة البديهية هي: لا.

فكل بحث علمي يبدأ بتحديد المفاهيم، وضبط المصطلحات، ورسم الحدود الفاصلة بينها. وإذا اختلف الباحثون في مفهوم المصطلح، اختلفت نتائجهم، واختلفت طرائق معالجتهم للظاهرة المدروسة.

ولهذا، فإن أول ما ينبغي على الباحث في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها أن يفعله هو أن يسأل نفسه:

ما المقصود بالخطأ اللغوي؟

وهل كل مخالفة للقاعدة تُعد خطأ؟

وهل يختلف الخطأ عن الهفوة أو السهو؟

وهل ينظر اللغوي، والمعلم، وعالم النفس اللغوي إلى الخطأ بالطريقة نفسها؟

هذه الأسئلة ليست أسئلة نظرية مجردة، بل تؤثر مباشرة في طريقة جمع البيانات، وتصنيف الأخطاء، وتفسيرها، بل وفي الطريقة التي يتعامل بها المعلم مع المتعلم داخل قاعة الدرس.

أولًا: الخطأ اللغوي في التراث العربي

إذا عدنا إلى التراث العربي، وجدنا أن قضية الخطأ شغلت العلماء منذ القرون الأولى، لكنها كانت تُطرح في سياق يختلف عن السياق الذي ندرسه اليوم.

فقد كان اهتمام العلماء منصبًا على صيانة العربية من اللحن، والمحافظة على سلامة القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر العربي، ولسان العرب عامة. ومن هنا ظهرت كتب اللحن، وكتب التصحيح اللغوي، والمؤلفات التي عُنيت ببيان الصواب والخطأ في الاستعمال.

وكانت النظرة السائدة آنذاك تقوم على معيار واضح، وهو أن كل خروج عن الاستعمال العربي الفصيح يُعد لحنًا ينبغي تقويمه.

وقد كان لهذا الاتجاه دور كبير في حفظ العربية وتقعيدها، وهو فضل لا يمكن إنكاره. غير أن هذه النظرة كانت تنظر إلى الخطأ أساسًا من زاوية تقويم اللغة وصيانة الاستعمال، أكثر من نظرها إليه بوصفه مدخلًا لفهم عملية تعلم اللغة لدى المتعلم.

ثانيًا: التحول في الدراسات اللغوية الحديثة

أما في الدراسات اللغوية الحديثة، فقد بدأ السؤال يتغير.

فلم يعد الباحث يكتفي بأن يقول:

هذه العبارة صحيحة، وهذه العبارة خاطئة.

بل أصبح يسأل:

كيف نشأ هذا الخطأ؟

وما الذي يكشفه عن طريقة تفكير المتعلم؟

وهل يمكن أن يكون هذا الخطأ دليلًا على تقدمه في تعلم اللغة، لا على فشله؟

وهنا بدأ مفهوم الخطأ يخرج من دائرة الحكم على الأداء إلى دائرة تفسير عملية التعلم نفسها.

ومن ثم نستطيع القول إن مفهوم الخطأ اللغوي مرّ بتحول عميق؛ فقد انتقل تدريجيًا من النظر إليه بوصفه انحرافًا عن القاعدة إلى النظر إليه بوصفه مؤشرًا على بناء المعرفة اللغوية لدى المتعلم.

وهذا التحول لم يحدث فجأة، بل كان نتيجة تطور طويل في علم اللغة، وعلم النفس، ونظريات تعلم اللغات.

ومن هنا تأتي أهمية تتبع تطور مفهوم الخطأ؛ لأن فهم هذا التطور يساعدنا على فهم التحولات التي طرأت على طرق تعليم اللغات، وعلى الطريقة التي ينظر بها الباحث والمعلم إلى أداء المتعلم وأخطائه.

فالخطأ، في المنظور الحديث، لم يعد مجرد نتيجة ينبغي تصحيحها، وإنما أصبح بيانات لغوية قابلة للتحليل والتفسير، يمكن من خلالها الكشف عن طبيعة الصعوبات التي يواجهها المتعلم، وعن الاستراتيجيات التي يستخدمها أثناء بناء نظامه اللغوي.

وهذا هو المدخل الذي سنواصل من خلاله دراستنا في المحاضرات القادمة.

المحاضرة المقبلة

مفهوم الخطأ اللغوي بين التراث العربي واللسانيات الحديثة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى