كأس العالم والسياسة الخبيثة… بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

تُعتبر بطولة كأس العالم لكرة القدم الحدث الرياضي الأبرز الذي يجمع شعوب هذه المعمورة على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم وأعراقهم، حيث من المفترض أن تكون هذه البطولة تجسيداً نقياً لقيم الروح الرياضية، والتنوع، والمساواة بين الجميع. لكن التدقيق في تاريخ هذه البطولة وسياقها الحديث يكشف عن وجه آخر مغاير تماماً، حيث تتدخل السياسة الخبيثة والعنصرية العرقية والجنسية لتعكر صفو اللعبة الجميلة، وتحول المستطيل الأخضر من مساحة للمنافسة الشريفة إلى مرآة تعكس صراعات القوى الدولية والممارسات التمييزية الممنهجة التي تدار خلف الكواليس.
حين نتأمل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم وتاريخ المونديال، نجد أن التمييز ضد اللاعبين والحكام ذوي البشرة السمراء ليس مجرد تصرفات فردية عابرة تصدر من جماهير متعصبة في المدرجات، بل هو امتداد عميق لبنية استعمارية وفوقية غربية لا تزال تفرض ظلالها على اللعبة إلى اليوم. ورغم أن قارة إفريقيا واللاعبين ذوي الأصول الإفريقية يمثلون العصب الحقيقي لأقوى الأندية والمنتخبات العالمية، إلا أن هذا التواجد القوي يختفي تماماً عندما يتعلق الأمر بمنظومة التحكيم أو الإدارة الرياضية العليا. ويظهر هذا التهميش الممنهج في ندرة إسناد المباريات الحساسة والمصيرية للحكام الأفارقة أو السود، تحت ذمائع واهية مثل نقص الخبرة أو عدم القدرة على تحمل الضغوط، وهي حجج تهدف في جوهرها إلى إقصاء الإنسان الأسود من مراكز إدارة العدالة على أرض الملعب. وتتجلى السياسة الخبيثة للدول الكبرى أيضاً في كيفية التعامل مع اللاعبين أنفسهم، ففي لحظات الفوز والتتويج يُرفع اللاعب ذو البشرة السمراء على الأعناق بوصفه مواطناً بطلاً يجسد الاندماج الناجح، بينما في لحظات الإخفاق أو إضاعة ركلات الترجيح، تخلع تلك المجتمعات قناع التسامح المزيف لتتحول المنصات الإعلامية إلى ساحات للشتائم والاقصاء، مما يعكس استعماراً رياضياً حديثاً يستنزف عرق اللاعب وينبذ هويته عند أول عثرة.
ولا تقتصر هذه الممارسات الخبيثة في كأس العالم على التمييز العرقي، بل تمتد لتشمل وجهاً آخر يتمثل في فرض الأجندات الثقافية والتوجهات الجنسية المعينة بالقوة وبطرق ملتوية. وقد شهدت النسخ الأخيرة من المونديال محاولات مستميتة من بعض المنتخبات والاتحادات الغربية لفرض شعارات معينة ترتبط ببعض التوجهات المحددة وسط الملاعب، ولم يكن دافع هذا الإصرار حقوقياً نبيلاً كما يزعمون، بل كان شكلاً فجاً من أشكال الاستعلاء الثقافي الذي يسعى لإثبات أن المنظومة الأخلاقية الغربية هي المركز الوحيد الذي يجب على العالم أجمع والانصياع له. وعندما ترفض الشعوب أو اللاعبون هذه الإملاءات انطلاقاً من خصوصيتهم الدينية والمجتمعية، تُشن ضدهم حملات شيطنة إعلامية تتهمهم بالتخلف، مما يخلق نوعاً من التمييز المقلوب الذي يضطهد الأغلبية ويحرم الرياضي والمشجع من حقه الفطري والأنثروبولوجي الطبيعي لصالح أجندات سياسية موجهة وممولة.
وراء كل هذه المظاهر تقبع كواليس مظلمة تديرها كارتيلات المال والسياسة الدولية التي تتقن صناعة الوهم. فبينما تتبنى المؤسسات الرياضية شعارات براقة تدعو لمحاربة العنصرية وتجبر اللاعبين على الوقوف خلفها لتحسين الصورة التسويقية، نجد أن العقوبات الفعليّة التي تُفرض على السلوكيات التمييزية تظل هزيلة ولا تتعدى الغرامات المالية الزهيدة التي لا تحقق أي ردع حقيقي. ويتضح هذا التناقض الصارخ والكيل بمكيالين في كيفية التعامل مع القضايا الإنسانية والسياسية، حيث يُعاقب اللاعب الإفريقي أو العربي أو المسلم إذا أبدى تضامناً مع القضايا العادلة لشعبه أو أمتّه بحجة فصل الرياضة عن السياسة، في حين تُفتح الأبواب على مصراعيها وتُلَوَّن الملاعب بأعلام دول بعينها لدعم صراعات أوروبية، بل ويصل الأمر إلى إقصاء منتخبات كاملة لأسباب سياسية بحتة، مما يثبت أن قوانين منع التسييس في الرياضة ليست إلا أداة انتقائية تُطبق فقط عندما تتعارض الأحداث مع مصالح القوى المهيمنة.
إن كأس العالم يمر بمنعطف خطير يستوجب وقفة جادة من الاتحادات الإفريقية والآسيوية واللاتينية لإعادة التوازن المفقود داخل أروقة القرار الدولي. فإما أن تستعيد البطولة جوهرها الحقيقي بوصفها مساحة عالمية تجمع البشر على أساس الكفاءة الرياضية الصرفة والاحترام المتبادل للثقافات، أو أن تظل أداة في أيدي قوى سياسية خبيثة تستغل العرق لتهميش الكفاءات، وتستخدم الضغوط الفكرية لفرض الوصاية على المجتمعات، وتجريد اللعبة من رسالتها الإنسانية السامية.



