
سيرة غنوة
لما الشتا يدق البيبان
إبراهيم عبدالفتاح
في شتاء 1985 كنت في راس البر، بدعوة من بعض الأصدقاء، أهرب قليلا من ثقل الروماتويد الذي كان قد احتل مفاصل قدمي، وصار يفاوضني كل صباح على خطوة جديدة. كان هناك مؤتمر لأدباء الأقاليم، المؤتمر الوحيد الذي حضرته بدعوة غير رسمية، لأن القاهرة، فيما يبدو، ليست إقليما، ولا يحق لأدبائها أن يتفاعلوا مع الأقاليم الأخرى.
ذهبت برفقة أصدقاء جميلين، وحين وصلنا سلّموا لي غرفة أشاركها مع صديقي الشاعر الراحل خالد عبد المنعم. ولأنني لم أكن أتحرك إلا قليلا، تحولت غرفتنا إلى ما يشبه المقر غير الرسمي لضيوف المؤتمر. كانت تمتلئ حتى آخرها طوال اليوم. أذكر من الذين مروا بها: خيري شلبي، فريد أبو سعدة، جار النبي الحلو، سمير الفيل، لطيفة الزيات، فتحية العسال، فريدة النقاش، صلاح عيسى، وآخرين. كانت الغرفة تضيق بنا وتتسع بالكلمات.
حين أصابني الضجر ذات مساء، قررت أن أذهب وحدي إلى البحر، بحثا عن لحظة خاصة لا يشاركني فيها أحد. تركت عكازي وانطلقت ببطء حتى وصلت إلى حافة اللسان. هناك انهمرت أمطار غزيرة، لكنني لم أفكر لحظة في الاحتماء منها. كان الطقس بديعا على نحو لا يقاوم. وقفت أتحمل حياتي، كما أتحمل المطر، وبدأت أهذي بكلمات جاءتني من بعيد.
فكرت فيها أولا كقصيدة. لكنني تذكرت حوارا سريعا دار قبلها بعامين بيني وبين الملحن الراحل أحمد الحجار، على هامش مسرحية جمعتنا. يومها طلب مني كلمات أغنية. فجأة عدلت وجهتي. قلت لنفسي: سأكتب قصيدة تنشرها مجلة ويقرأها أربعون شخصا، فلماذا لا أكتبها كأغنية قد يسمعها ملايين إذا كتب لها النجاح؟
اشتغلت على النص بروح الأغنية، لا بروح القصيدة. راعيت الفورم، والإيقاع الداخلي، ومساحة اللحن. وحين عدت إلى القاهرة أعطيت الكلمات لأحمد، وقلت له بوضوح: إن أعجبتك فهي لك وحدك. سألني عن معنى الشرط، فقلت له الحقيقة كما هي: لا أريد أن يغنيها علي الحجار.
غضب أحمد قليلا وقال: هذا أخي، وهو نجم كبير. قلت له: لا يعنيني. كل ما في الأمر أنني قرأت له حوارا قال فيه إن شرف لأي شاعر أن يغني له، وأنا يا أحمد متنازل عن هذا الشرف. ثم تركته وانصرفت إلى شؤوني.
بعد أشهر أخبرني صديقي الملحن والمطرب طارق فؤاد أن أحمد صنع لحنا بديعا للكلمات. والتقينا صدفة على سلم معهد الموسيقى العربية بأكاديمية الفنون، وهناك فقط استمعت إلى اللحن لأول مرة. كان جميلا كما قيل لي.
مضت الأيام حتى فوجئت بأن أحمد أعطى الأغنية لأخيه. غضبت، وقاطعت أحمد الحجار عاما كاملا. ثم تدخل رئيس الرقابة الراحل حمدي سرور، وطلب أن نذهب إلى علي الحجار في مسرح مصر، حيث كان يشارك في مسرحية أولاد الشوارع، على ما أذكر.
في الكواليس دارت مناقشة طويلة، انتهت بأن طلب مني علي تغيير سطرين في الكوبليه الأخير. قلت له ضاحكا: كمان؟ مش كفاية أنك أخدت الغنوة؟ فضحكنا. وأخبرني أن مودي الإمام سيتولى توزيعها. لكن ذلك لم يحدث، واتجهت الأمور إلى خيارات أخرى.
تلك حكاية الغنوة كما بدأت: من مطر على حافة اللسان، ومن شاعر يفاوض ألمه، ويبحث عن نافذة أوسع للكلمات. أما ما جرى بعد ذلك، فله حكاية أخرى.
بعد شهرين من الانتظار، اتصل بي علي الحجار. صوته هذه المرة لم يكن متحمسا كما توقعت، بل بدا كأنه يحمل اعتذارا نيابة عن صديق. قال لي إن مودي الإمام حاول، حاول بصدق، جلس مع الغنوة مرات كثيرة، كلما وضعها أمامه ليستمع ويبدأ في تفكيكها، يبكي. يبكي فقط. دون أن ينجح في الإمساك بجملة موسيقية واحدة.
هكذا أخبرني عن مودي الإمام.
لم يكن الاعتذار فنيا بقدر ما كان إنسانيا. أحيانا تعبر الأغنية إلى منطقة لا يصلح معها الاشتغال البارد. هناك أغانٍ تحتاج موزعا يقف على مسافة، لا أن يغرق في ماءها حتى الاختناق.
بعدها تولى التوزيع ياسر عبد الرحمن. بهدوئه المعروف، وبحسه الدرامي الذي يعرف كيف يترك مساحات للسكوت، أعاد ترتيب أنفاس الغنوة. لم يثقلها، لم يزاحم كلماتها، فقط وضع حولها هواء يكفي لكي تعيش.
ظلت الأغنية حبيسة درج العاطفة عامين كاملين. تتداول بين أصدقاء، تُسمع في جلسات ضيقة، كأنها سر صغير نخشى عليه من العلن. إلى أن وجدت طريقها أخيرا إلى ألبوم أنا كنت عيدك. هناك فقط خرجت إلى الناس، بلا ضجيج دعائي، لكنها خرجت.
الغريب أن عمرها الحقيقي بدأ متأخرا. بعد سبع سنوات من صدور الألبوم، تقرر تصويرها بطريقة الفيديو كليب. سبع سنوات كاملة، كأنها كانت تنتظر أن تنضج صورتها كما نضجت في قلوبنا. لم تكن أغنية عابرة في شريط كاسيت، بل كائن يمشي ببطء، يعرف أن وقته سيأتي.
أحيانا أفكر أن الغنوة هي التي تختار مصيرها. بعضها يولد جاهزا للضوء، وبعضها يحتاج أن يختبر البكاء أولا، وأن يمر من يد إلى يد، ومن صمت إلى صمت، حتى يستقر في مكانه الصحيح.
وهذه كانت واحدة من تلك الأغاني التي مرت بكل ذلك، قبل أن تقول ببساطة: أنا هنا.
نقلا عن مجلة حرف

عناية مكتب القاهرة
مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة
شاعر الأمة محمد ثابت



