
يأتي شهر رمضان كل عام، شهر الصيام والقيام، شهر التزكية والعودة إلى الله، لكنه عند كثيرين تحوّل – للأسف – إلى موسمٍ للإسراف في الطعام، والتسوّق بلا وعي، والسهر على المسلسلات، والنوم في النهار، حتى بات السؤال مشروعًا:
هل هذا هو رمضان الذي أراده الله؟
رمضان لم يُشرع ليكون شهر امتناعٍ جسدي مؤقت عن الطعام والشراب، يعقبه إفراط مفرغ من المعنى عند الإفطار والسحور.
ولم يكن الصيام يومًا تدريبًا على الجوع فقط، بل مدرسة لتهذيب النفس، وكبح الشهوة، وبناء الإرادة، وكسر الكسل، وتعظيم الطاعة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
التقوى… لا التخمة.
الإسراف: أول تشويه لروح الصيام
موائد عامرة، أصناف لا تُحصى، طعام يُلقى في القمامة، وأسواق تعجّ بالمتسوقين أكثر من المساجد بالمصلين.
أليس هذا تناقضًا صارخًا مع قوله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؟
كيف نرجو القبول ونحن نهدر النعمة، ونثقل الجسد، ونُميت القلب؟
رمضان ليس نومًا بالنهار وسهرًا بالليل
تحوّل الليل إلى وقت لهو ومسلسلات، والنهار إلى سبات طويل، وكأن رمضان شهر تعطيل لا شهر عمل وعبادة.
أيُّ صيامٍ هذا الذي لا يغيّر أخلاقًا، ولا يردع لسانًا، ولا يوقظ قلبًا؟
قال رسول الله ﷺ:
«ربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».
الصوم عبادة خالصة… فهل نُفرّغها من معناها؟
في الحديث القدسي:
«كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».
فالصيام عبادة سرّية، لا يطّلع عليها إلا الله، قائمة على الصدق مع النفس قبل الامتناع عن الطعام.
فهل يُجزى من صام عن الطعام، وأفطر على المعصية؟
وهل يُقبل صيام من أسرف، وضيّع الصلاة، وأهدر وقته، وخالف شريعة الله سلوكًا وأخلاقًا؟
وقفة صادقة
رمضان فرصة، لا عادة.
ومحطة مراجعة، لا سباق موائد.
ومن لم يخرج منه أخفَّ شهوة، أصدق نية، أصفى قلبًا، وأقرب إلى الله… فقد خسر كثيرًا.
فلنعد إلى سنة الله ورسوله،
إلى صيامٍ يربّي ولا يرهق،
وإلى عبادة تُصلح القلوب قبل الأجساد،
وإلى رمضانٍ نخرج منه أفضل مما دخلناه.
رمضان ليس أن نُغيّر مواعيد الطعام…
بل أن نُغيّر مسار القلوب



