الليالي وسط شوارع مكة: سيرة إنسان يكتب مدينته ليست مكة مدينةً تُروى، بل مدينة تتكلّم.
د. فاطمة ابوواصل إغبارية
وفي فيديو «الليالي وسط شوارع مكة» يقدّم الأديب إبراهيم يحيى أبو ليلى صورةً للكاتب الذي لم يكتفِ بالانتماء إلى المكان، بل جعل من الشارع ذاكرة، ومن الليل نصًا، ومن الحكاية فعل بقاء.
إبراهيم يحيى أبو ليلى، الأديب والكاتب الثقافي المكي، يُعدّ من الأصوات التي ارتبط اسمها بالمشهد الأدبي في مكة المكرمة، ليس عبر النص المكتوب فقط، بل عبر حضوره الفعلي في المجالس الثقافية والملتقيات الأدبية، وعلى رأسها «مركاز الأحبة الثقافي»، الذي شكّل مساحة حيّة للحوار والسرد والشعر، وملتقى للأدباء والمثقفين في قلب المدينة.
في هذا الفيديو، لا يظهر أبو ليلى بوصفه بطلًا، بل بوصفه شاهدًا. شاهدًا على ليالي مكة حين تهدأ، وعلى الشوارع حين تستعيد أصواتها الخافتة، وعلى الوجوه التي لا تُسجَّل في الكاميرات لكنها تسكن الذاكرة. يتنقّل بين الأزقة كما يتنقّل الكاتب بين الجُمل، يعرف متى يتوقف، ومتى يترك للصمت أن يُكمل المعنى.
أبو ليلى، الذي عُرف بمقالاته الثقافية واهتمامه بالأدب والحوار الفكري، يكتب هنا بسيرته قبل قلمه؛ سيرة إنسان آمن بأن الأدب لا يُعاش في العزلة، بل في القرب من الناس، وفي الإصغاء لحكاياتهم اليومية، وفي تحويل التفاصيل العابرة إلى معنى قابل للبقاء.
اللافت في «الليالي وسط شوارع مكة» أن المدينة لا تُقدَّم في صورتها الرسمية أو المألوفة، بل في وجهها الإنساني: مدينة تمشي، وتتعب، وتفرح، وتحلم. وهنا تتقاطع سيرة الكاتب مع سيرة المكان؛ فكلاهما عاش التحوّلات، وكلاهما حافظ على جوهره وسط تغيّر الزمن.
هذا الفيديو ليس مجرد توثيق لحكاية شخصية، بل وثيقة ثقافية تُذكّر بأن المدن العظيمة تُنجب من يحرس ذاكرتها، وأن الأدب الحقيقي قد يولد من جلسة ليلية، أو شارعٍ صامت، أو حكاية تُروى بلا ادّعاء



