اقلام حرةالرئيسيةبارعات العالم العربيمقالاتمنظمة همسة سماء
العنف المدرسي والتنمّر الإلكتروني: حين يتحوّل الفضاء التربوي إلى ساحة صراع صامت
بقلم : الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

لم يعد العنف المدرسي مجرّد شجار عابر في ساحة المدرسة، ولا التنمّر الإلكتروني مزحة ثقيلة خلف الشاشات. نحن اليوم أمام ظاهرة مركّبة، متغلغلة، تُمارَس بدم بارد، وتترك آثارًا نفسية أعمق من أي كدمة مرئية.
إنه عنف بلا صوت أحيانًا، لكن صداه يرافق الضحية سنوات طويلة.
من الصفّ إلى الشاشة: انتقال العنف وتحوّله
كان يُعتقد أن باب المدرسة إذا أُغلق انتهت المعاناة، لكن التنمّر الإلكتروني كسر هذا الوهم.
الضحية اليوم لا تعود إلى بيتها لتستريح؛ الهاتف يلاحقها، الرسائل تقتحم غرفتها، السخرية تُنشر، والفضيحة تُشارك، والجرح يُعاد فتحه كل مرة بضغطة زر.
العنف المدرسي لم يختفِ، بل تطوّر.
غيّر شكله، وسّع مساحته، وتخفّى خلف أسماء مستعارة، ما جعله أكثر قسوة وأقل خضوعًا للمساءلة.
الضحية: طفل يُعاقَب لأنه مختلف
في أغلب الحالات، لا يكون “ذنب” الضحية سوى اختلاف بسيط:
شكل، لهجة، مستوى اقتصادي، تفوق دراسي، خجل، أو حتى التزام أخلاقي.
المدرسة التي يُفترض أن تكون فضاء أمان، تتحوّل إلى محكمة غير عادلة، يُدان فيها الطفل لأنه لم يشبه القطيع.
الأخطر؟
أن الضحية غالبًا تصمت.
خوفًا، خجلًا، أو لأن التجربة علمتها أن الشكوى لا تحمي، بل قد تزيد العقاب.
المتنمّر: نتاج بيئة لا بريء منفصل عنها
التنمّر لا يولد من فراغ.
خلف كل متنمّر قصة: بيت مفكك، عنف مُطبّع، إهمال، أو نموذج سلطوي يُمجد القوة ويحتقر الضعف.
هذا لا يبرّر السلوك، لكنه يفضح جذوره.
المجتمع الذي يسخر، يعلّق بلا رحمة، ويكافئ الوقاحة بالضحك والتفاعل، هو شريك صامت في الجريمة.
الصمت المؤسسي: أخطر أشكال التواطؤ
حين تتجاهل المدرسة الشكوى،
حين تُختزل المشكلة في “خلاف بين طلاب”،
حين يُطالَب الضحية بالتكيّف بدل الحماية،
نحن لا نعالج العنف… نحن نُشرعنه.
الصمت هنا ليس حيادًا، بل انحيازًا صريحًا للأقوى.
الآثار الخفيّة: جراح لا تُرى
العنف المدرسي والتنمر الإلكتروني لا يمران بلا ثمن:
• قلق مزمن
• اكتئاب
• فقدان الثقة بالنفس
• عزلة اجتماعية
• كراهية المدرسة
• وفي الحالات القصوى: إيذاء الذات أو التفكير في الانتحار
كل ذلك قد يبدأ بتعليق ساخر… أو صورة مُهينة… أو نظرة احتقار متكررة.
ماذا نحتاج؟
نحتاج أكثر من شعارات:
• سياسات مدرسية صارمة لا تُساوم على كرامة الطالب
• تربية رقمية تُعلّم أن ما يُكتب خلف الشاشة له ضحايا حقيقيون
• إشراك الأسرة لا استدعاءها عند الكارثة فقط
• تمكين الضحية لا تحميلها مسؤولية ما تتعرض له
• محاسبة واضحة تُنهي ثقافة الإفلات من العقاب
كلمة أخيرة
العنف المدرسي والتنمر الإلكتروني ليسا “مرحلة عمرية”، ولا “مبالغة حساسة”.
هما مرآة خلل أخلاقي وتربوي عميق.
والسؤال الحقيقي ليس:
لماذا يتنمّر الأطفال؟
بل:
كيف سمحنا أن يكبروا في عالم يصفّق للأذى ويصمت عن الألم؟
هذه ليست مقالة للقراءة فقط…
بل صفعة للوعي

