الدين والشريعة

نصيحة الى مشايخي من جهة وإلى إدارات المساجد من جهة ثانية وإلى جمهور المصلين من جهة ثالثة* ها هي الأيّام تتوالى سراعاً، فتطوي معها أمورأً إلى غير رجعة.

الشيخ أبو بكر محاميد

الرّاصد الدّعوي ٢٠

ومن ضمن الأشياء التي طوتها الأيّام، أنّنا غالباً ما كنّا نرى خطب الجمعة عبارة عن توليفة من خطيب جمعة غير مؤهل من النّاحية العلمية وهو في نفس الوقت يخطُب بأناس بسطاء لا توجد لديهم مَلكات النقد البنّاء.
بينما نجد اليوم ولله الحمد جيلاً من الخطباء بات أكثر تأهيلاً وأكثر جاهزيّة، فكان من ثمرات ذلك، تيسير الدّين وتوضيح المفاهيم من خلال خطيب الجمعة، حتى وصل الأمر ببعض الخطباء، أنّهم تمكّنوا من نقل خشبة المنبر إلى كلّ بيت فأصبح سوق (التريندات) يتزاحمها الخطباء وخطب الجمعة، فبعد أن كان النّاس يتناقلون عبر هواتفهم مقاطع الرّاقصين والرّاقصات، تلك المقاطع التي لا تحمل إلّا التّفاهات والرّخص والدّناءة، باتت هواتفنا ولله الحمد تعجّ بمقاطع خطب الجمعة المليئة بالوعظ تارة والفقه تارة أخرى والإرشاد تارة ثالثة، والفكر والعقيدة والسلوك وسائر الأمور التي تخصّ النّاس في معاشهم ومعادهم.
خطب الجمعة الّتي كانت وما زالت وستظل بإذن الله، الفاعل المهم والمؤثر الكبير في حياة الكثير من أبناء الأمّة ولله الحمد.
وإنّ التحييد لدور خطب الجمعة عن السّاحة في فترة من الفترات، لهو مؤشّر خطير على مدى قذارة وعمق من خطّط لذلك التحييد.
فلطالما كانت خطب الجمعة الموجّه الأول والمحرّك الأساسي نحو يقظة الأمة إن هي نامت، واستنفارها إن هي استُفزّت، وكيف لا وقد خص الله سبحانه وتعالى القرآن فزيّنه بسورة كاملة، اسمها سورة “الجمعة”، ولا مجال للأطالة أكثر، ولو سمح لي وقتكم الكريم، لكتبت في ذلك كتابا وليست مجرد مقالة صغيرة.
فاختصر وأقول، بعد تجربة في عالم الخطابة زادت على العشرين عاماً، قضيت آخر ثلاث سنين منها على خشبة منبر واحد لم أتنقّل عنه كما كنت أفعل في السّابق، لاحظت أموراً عجيبة لا بدّ لي أن أنقلها لكم، سواء كنتم خطباء أم إدارات مساجد أم مصلّين مستمعين.وما لاحظته سأنقله بصورة نصائح.
أوّلاً وآخراً: عدم تنقّل الخطيب كلّ أسبوع من مسجد إلى مسجد، فما رأيت رعونة في خطب الجمعة أكثر من مسألة تغيير الخطيب في كلّ أسبوع، وهو ما بات يسمى (بالمنبر الحرّ وهو في الحقيقة المنبر المرّ). فهو من جهة الخطيب، لا يعينه إلا على الكسل، أمّا من جهة النّاس فهو يشتّتُ مفاهيمهم ومع مرور الوقت (أي بعد سنوات) ستجد أنّ النّاس الّذين اعتادوا تغيير الخطيب كلّ أسبوع، ستجد أنهم بلا أيّ بضاعة ولا أيّ بوصلة.فكل تفاوت علمي، ثقافي، تربوي، فكري، عقائدي بين الخطباء المتنقلين، سيؤدي في النّهاية إلى تشتيت ذهن المستمع، ثم في المحصّلة نكون نحن كخطباء قد ساهمنا في ارساء تلك الفوضى الفكريّة والعقائديّة لدى النّاس البسطاء، خاصّة أنّنا في تنقّلنا بين المنابر كل جمعة لا نكون مُكمّلين لبعضنا البعض، بل الذي يحصل أحياناً أنّنا نخالف بعضنا بصورة أو بأخرى.
فمن حسنات المنبر الواحد والخطيب الواحد، أنّ الخطيب بعد فترة سيعرف النّاس ويعرفون أسلوبه ويعتاد عليهم ويعتادون عليه، وهو ما يشكل له مصدر قوّة، ثمّ سيألف المكان والنّاس، وهم بالمثل، فإن ألِفهم وألِفوه( خاصّة اذا كان هو الإمام وخاصة إذا كان ابن الحارة والبلد) حينها سيكون الخطيب عالما بأوجاعهم ونفسياتهم وحالاتهم الاجتماعية، من جهة أخرى ستكون خطَبهُ وكلامه موجّه لنفس الشّريحة من النّاس، *وهذا ما سينقله من عالم الخطابة المجرّدة، الى عالم التّربية والمتابعة والمذاكرة والمكاشفة،* أضف الى ذلك أنّ الخطيب الواحد سيجد نفسه بعد فترة يكرّر نفس الأفكار والمصطلحات والجُمل، مما يضطره لأن يُحضِّر ويُجهّز لسلسلة خطب حول مواضيع معيّنة، وهو مما يرفع من مستواه العلمي وفي نفس الوقت يكون الناس قد استفادوا سلسلة خطب حول موضوع معيّن، مرتّب، مسلسل، مضبوط.
أضف إلى أن الخطيب الواحد يمكنه أن يستدرك كل ما فاته إن فاته شيء.
أضف إلى أنّ الخطيب الواحد بعد فترة سيعلم شريحة النّاس الذين يأتون على وجه الخصوص ليستمعوا لخطبه، وبذلك يعرف أنّ بضاعته قوية في اللغة إن كان الذين يحضرون من بلد ثانية هم أهل اللغة مما يضطره إلى أن يزيد من جرعات الّلغة والبلاغة في خطبه، أمّا إن كان الذين يحضرون خصّيصاً هم أهل العلم مثلاً، فحتماً لأنّه برع في خطبه عدّة مرات في مجال العلم فاستقطبهم، فهذا مؤشر على أنّ له تأثيرا في هذا الجانب، فيزيد اجتهاده في مسائل العلوم.وهكذا مع باقي شرائح النّاس.
بناء عليه وعلى غيره مما لم أذكر خشية الاطالة أكثر من ذلك.
– فأني أطلب من أخواني الخطباء أن يجتهدوا ما بوسعهم أن يلتزموا منبراً واحدا حتى يقطفوا ثمار جهدهم المبارك.

– أمّا نصيحتي للإدارات في المساجد، فهي أن يتّفقوا مع خطيب واحد فقط، وإن قلّ علمه، لكنّ المهمّ أن يكون حائزاً على شروط الخطابة العامّة، وأنا أضمن لكم أنّه سرعان ما سيشعر بالمسؤولية فيطوّر من نفسه.

– أمّا نصيحتي للنّاس: فأطلب منكم التزام خطيب واحد في مسجد واحد، أكرّر- للأهمّية – *التزام خطيب واحد في مسجد واحد* فإن لم يكن، فعلى الأقل أن نلحق خطيبا واحدا حيثما ذهب، ( وإن كنت لا أفضّل هذا)
وأخيراً أقول للمصلّين، *عليكم بخطيب الجمعة الثابت في المسجد الواحد.*
ملاحظة: الإخوة الذين سيختارون اللحاق بخطيب واحد، أقول أنّك ستربح بعض الأمور ، فهذا واضح، لكن ستفوتك الأمور التّربوية التي ذكرناها في منتصف المقالة، والتي هي أصلاً ستفوت الخطيب فكيف سيعطيك إيّاها؟!
باحترام
أخوكم الشيخ أبو بكر محاميد
+972509012044
السبت ٢٤ ذو الحجة ١٤٤٣
وفق
٢٣/٧/٢٠٢٢

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان × 2 =

إغلاق