اقلام حرة

في فلسطين تتعانق الروح مع الجسد بقلم الكاتبة / وسيلة محمود الحلبي

في فلسطين تتعانق الروح مع الجسد

بقلم الكاتبة / وسيلة محمود الحلبي

” أنا من بلاد العشق من هذا الثرى، جبلت ضلوع الصدر والجفن اكتحل”
في امتداد الأغنية المعبأة برائحة الجذور وعمقها، تأتي الأرض لتكون العرس والزغرودة والصوت والمدى، فعكست بصدق شدة تعلق الفلسطيني على مرّ الزمان بهذه الأرض التي جعل مهرها دماً وروحاً ودفق شريان. قال شاعر الأرض محمود درويش:
قالت لنا الأرض أسرارها الدمويّة. العصافير مدّت مناقيرها، في اتجاه النشيد وقلبي، أنا الأرض والأرض أنت، خديجة لا تغلقي الباب، لا تدخلي في الغياب، سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل ، سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل ، سنطردهم من القدس وغزة ومن هواء الجليل.
ولأن صوت الأرض لا ينام، فليس هناك انفصال أو فضل بين هذا وذاك. فالأرض هي الأم والحبيبة. يقول الشاعر الفلسطيني سميح القاسم بقصيدة بعنوان “يا أمنا”، حيث قال: يا أمنا الأرض ابشري واستبشري.. مازال يحرس عرضك الأبناءُ، لكِ إن عطشت من العروق مواردٌ.. وإذا عريت من الجسوم كساءُ، عربية كانت وتبقى أرضنا.. عربيةً وليصخب السفهاءُ”.
فهذه الأرض التي تزداد امتداداً في الجسد الفلسطيني يوماً بعد يوم مع امتداد الدم الفلسطيني شهادة وعطاء لا ينضبان يبقى شعر أبنائها ملتصقاً بأغنية الأرض وعشقها معبراً عن علاقة الشاعر الفلسطيني بأرضه التي تحولت لتكون خفق قلب وتحليق روح ونغم وجدان، فهي الحب والحبيبة والدم والعصب والتاريخ والأهل وكل الحكايات…
ويقول الشاعر الراحل هايل عساقلة: في موطني عشق الصبايا قاتل، والعشق مثل مياهه لا ينضبُإن يسقط الشهداء فوق تلالنا، ويقدموا ما تشتهي أو تطلبُ، فالعشق علمهم بأن ترابنا، أغلى من الرمق الأخير وأعذبُ. فهو يجد أن عشق الأرض، وترابها، أغلى وأعذب من هذا الرمق الأخير.
“لماذا حاولوا قتلي، لماذا حاولوا فصلي، عن الأرض التي انتشرت على جفنيَّ منديلاً، من الأزهار والعشبِ، لماذا حاولوا فصلي، عن الأرض التي التحمتْ على قلبي، جناحاً ناعماً الزُّغبِ، لماذا حاولوا التفريقَ، بينَ العين والهدبِ” ثم سلوا الزيتونَ، فالزيتونُ يعرفني، ويشهدُ أنَّ ذا وطني ، وأني راسخ كالصخرِ، كالزيتون كالعنبِ، سلوا الأشجارَ، والأحجارَ، إن شئتمْ، فكلُّ الأرض تعرفني، وكل الأرض تعشقني….
مثلما كنت ستبقى يا وطنْ، حاضرا في ورق الدّفلى، وعطر الياسمينْ حاضرا في التين والزيتون في طور سنينْ ،حاضرا في البرق والرعد وأقواس قزحْ، في ارتعاشات الفرحْ، حاضرا في الشفق الدامي وفي ضوء القمرْ
إنه حب الفلسطيني لأرضه ومثل هذه العلاقة القوية المتميزة بالأرض، استدعت أن يصر الإنسان العربي الفلسطيني على البقاء والثبات بكل شكل ممكن، فالأرض الفلسطينية تنادي إنسانها بلغةِ الشجرِ والتراب والماء لكي يصمد أكثر، ويتشبث بكل حبة تراب حتى آخر رمق.
يقول الشاعر منيب فهد الحاج في قصيدته “معاذ الله أن نرحل”: “هنا باقون لن نرحل، سنبقى فوق هذي الأرض نحيا لا نفارقها، ففوق ترابها أجدادنا درجوا، وغذّوها بدمهم، فصارت كنزنا الأكبر، فهل نرحل؟؟ سنبقى فوق هذي الأرض نزرعها، ونحميها بأضلعنا، ونعشقها، لتبقى حبنا الأمثل، هنا باقون ولن نرحل..”
“صامد كالطود شعبي، صامد يأبى المذلة والهوان، راسخ كالسنديان، مثل زيتون الجليل…”
وكانت صرخة الإنسان الفلسطيني مليئة بالصدق حين انطلقت على لسان الشاعر هايل عساقلة في قصيدته “لو ضمني هذا الثرى كفناً” حيث قال: إن تسألوا نبع من الكوثر، وطني وبستان” من الزعتر وحجارة” من مرمر صقلتْ، فتمايلَ الياقوتُ والمرمرْ، فثراك حفنةُ أنجمٍ ولذا، لو ضمَّني كفناً فلن أخسر.
إنها الأرض، أرض فلسطين الحبيبة ويومها المشتعل أبداً بدم شهدائها. ولأن الأرض مشغولة ومزروعة بكل هذا العطاء الخصب، فلا بد أن يكون يومها ممتداً حتى إشراقة شمس حرية لا تغيب. والنصر قادم يا غزة. النصر قادم يا قدس، النصر قادم يا حي الشيخ جراح ، النصر قادم يا فلسطين .

• سفيرة الإعلام العربي
• عضو الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين
• عضو اتحاد الكتاب والمثقفين العرب
• مسؤولة الإعلام بجمعية كيان للأيتام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر + 13 =

إغلاق