
الزمن
___________
ليس في هذا الوجود شيء يستطيع أحد أن يقف في طريقه… إلا الزمن.
يمضي في هدوءٍ لا يشبهه هدوء.
لا توقفه صرخة، ولا تغيّر اتجاهه فرحة، ولا تبطئ خطاه دمعة.
يعبر الجميع بالإيقاع نفسه، غير مكترث بمن ظن أن العالم بدأ مع مجيئه، أو بمن توهّم أن الضوء سينطفئ برحيله.
ولطالما اعتقد الإنسان أن بعض اللحظات أكبر من أن يطويها الزمن، وأن في هذا العالم أحداثًا تستحق أن تتوقف الأيام عندها احترامًا لعظمتها أو لألمها.
لكن للزمن قانونًا واحدًا لا يتبدل: أن يمضي.
لا يغيّر مساره شيء، بل كل شيء يتغير في مساره. تتبدل المدن، وتتغير ملامح الطرق، حتى يعود الإنسان إلى مكانٍ عرفه يومًا، فيقف أمامه غريبًا كأنه يراه للمرة الأولى.
وتتحول القوة إلى ضعف، والحداثة إلى قدم، وما كان يومًا حاضرًا نابضًا بالحياة، يصبح مع الأيام مجرد ذكرى.
فما نراه نحن لحظةً تغيّر مجرى الحياة، لا يكون عند الزمن إلا لحظةً أخرى في رحلة لا تعرف التوقف.
إنه لا يقيس الأشياء بحجمها في عيوننا؛ فالدول العظيمة، وأحلام الأفراد، والوجوه التي ملأت الدنيا حضورًا… كلها تعبر أمامه بالمقدار نفسه. وما نظنه باقيًا، لا يلبث أن يصبح صفحةً من الماضي، ثم يواصل الزمن طريقه… كأن شيئًا لم يكن.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان، أنه كلما اشتد عليه الألم تمنى لو يتوقف الزمن، وكلما غمرته السعادة تمنى لو بقيت اللحظة كما هي. لكن الزمن لا يفعل هذا ولا ذاك. يترك لكل إنسان مشاعره، ويمضي في طريقه، كأنه يذكّر الجميع، في صمت، أن لا أحد أكبر من حركة الأيام.
فالزمن لم يبدأ رحلته مع أول مخلوق… ولن ينهيها مع آخر مخلوق.
بقلم الكاتب هشام أبو عمار
عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت




