مقالات

مفهوم العلماء في القرآن بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

يُولي الإسلام اهتماماً بالغاً بالعلم والمعرفة، حيث يقرر القرآن الكريم في سورة فاطر أن الخشية الحقيقية لله تعالى إنما تكون من أهل العلم، ليرفع بذلك من شأن من يدركون عظمة الخالق. وفي سورة الزمر، يبرز التفاوت جلياً بين من يعلمون ومن لا يعلمون، ليعلن الإسلام عن علو مكانة المعرفة. ومفهوم العالم في المنظور القرآني لا يقتصر بحال على التخصص الضيق في العلوم الشرعية فحسب، بل يشمل تلك الشخصية الشاملة التي تدرك الكون والخالق إدراكاً يعكس الخشية والوعي والمسؤولية تجاه الحياة والإنسان.
على الرغم من أن كلمة عالم تعني لغةً صاحب المعرفة، إلا أنها في التراث الإسلامي تتبوأ أرفع مكانة علمية واجتماعية وروحية. إنها تجمع بتناغم فريد بين العلوم الكونية والشرعية والفلسفة واللغة، وتجعل من كل معرفة نافعة للبشرية سبيلاً ممهداً إلى معرفة الله تعالى. ولم يعترف التراث الإسلامي الأصيل بذلك الانفصام المزعوم بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية، بل اعتبر آيات الكون وأسرار الطبيعة امتداداً لقراءة كتاب الله المنظور، حيث تُعد دراسة الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من الرحلة الروحية والإيمانية.
تزخر الحضارة الإسلامية بمصطلحات دقيقة تصف درجات العلم والتخصص الدقيق؛ فالمفتي هو الفقيه المتبحر القادر على بيان الأحكام الشرعية للناس في نوازلهم اليومية، بينما الفقيه هو العبقري القانوني القادر على استنباط الأحكام وفهم مقاصد الشريعة وروحها، وكل مفتٍ فقيه ولا عكس. وإلى جانبهم يبرز الأستاذ كمعلم ومربٍ يورث العلم والأخلاق والروحانية، والمفسّر كعالم متخصص في كشف أسرار القرآن الكريم وعلوم تنزيله ובلاغته، والمحدّث كحافِظ لحديث النبی صلى الله عليه وسلم والعارف بعلله ورجاله. كما يمثل الإمام المرجعية الفكرية والعملية الكبرى للأمة، كالأئمة الأعلام ممن قادوا مسيرة الفكر والتشريع.
لقد أثبت العصر الذهبي للإسلام أن العالم الحق لا ينغلق في قالب معرفي واحد، بل برز عمالقة جمعوا ببراعة بين الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والعلوم الشرعية. ويأتي ابن سينا في مقدمة هؤلاء كطبيب الفلاسفة وفيلسوف الأطباء ومؤلف كتاب القانون في الطب الذي ظل مرجعاً عالمياً لقرون، إلى جانب ابن حزم الأندلسي العلامة الموسوعي المحيط بالفقه والحديث والتاريخ والأديان المقارنة، والبيروني العالم الفلكي والرياضي والمؤرخ الذي قرأ الطبيعة بعين المؤمن المتفكر.
إن استعادة النموذج القرآني المتكامل للعلم والعلماء تمثل الضرورة القصوى لنهضة الأمة اليوم. فالتقدم التقني وحده لا يحمي الإنسانية ما لم يقترن بالبصيرة الأخلاقية والروحية المستمدة من معرفة الخالق، وبذلك تتوحد الأنوار الكونية مع الأنوار الوحيّة لتصنع معاً مجتمع المعرفة المنشود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى