وسط ألسنة اللهب… جرعة ماء لكلب عطشان تكشف الوجه الآخر للعمل الإنساني في تونس
الإعلامي التونسي المعز بن رجب

بين هدير سيارات الإطفاء، وتصاعد أعمدة الدخان، وانشغال فرق التدخل في محاصرة النيران، كان الجميع يركز على إنقاذ الأرواح وحماية الممتلكات. لكن في زاوية هادئة من موقع التدخل، خطف مشهد بسيط الأنظار، ليعيد التذكير بأن الإنسانية قد تتجلى في أصغر التفاصيل.
اقترب المتطوع رمزي صولة، المتطوع والمكوّن في الهلال الأحمر التونسي، من كلب بدا عليه العطش والإجهاد بعد أن وجد نفسه وسط أجواء الحرائق. أخرج قارورة ماء وبعض الطعام، وجلس بجانبه حتى اطمأن إلى أنه استعاد شيئاً من قوته، قبل أن يعود مباشرة إلى مهامه الميدانية مع بقية المتطوعين.
لم يكن المشهد جزءاً من خطة التدخل، ولم يكن موجهاً لعدسات الكاميرات، لكنه سرعان ما تحول إلى رسالة إنسانية تداولها عدد من الحاضرين، لأنها عكست جانباً آخر من ثقافة العمل التطوعي، حيث لا تقتصر الرحمة على الإنسان وحده، بل تمتد إلى كل كائن حي يتأثر بالأزمات والكوارث.
ويرى مختصون في العمل الإنساني أن مثل هذه المبادرات تنسجم مع المبادئ التي تقوم عليها المنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها احترام الحياة، وصون الكرامة، وعدم التمييز، وهي قيم تجعل من المتطوع سفيراً للأخلاق الإنسانية قبل أن يكون منفذاً لمهام الإغاثة.
وتزداد أهمية هذه الرسائل في ظل تنامي الكوارث الطبيعية وحرائق الغابات التي تفرض على فرق التدخل العمل لساعات طويلة في ظروف مناخية قاسية، حيث يصبح الحفاظ على الهدوء والقدرة على اتخاذ القرار السليم جزءاً أساسياً من نجاح عمليات الإنقاذ.
ورغم أن المتطوعين يُعرفون غالباً بما يقدمونه من إسعافات أولية، وإجلاء للمصابين، وتقديم للمساعدات الإنسانية، فإن الميدان يكشف وجهاً آخر لرسالتهم؛ وجهاً يقوم على التعاطف، والإحساس بالمسؤولية تجاه كل أشكال الحياة.
ويعد رمزي صولة، وهو من أبناء ولاية قبلي في جنوب تونس، نموذجاً لهذا النوع من المتطوعين الذين يجمعون بين التكوين المستمر والعمل الميداني، مؤمنين بأن التطوع ليس مجرد استجابة لحالات الطوارئ، بل أسلوب حياة يقوم على خدمة المجتمع ونشر ثقافة الرحمة.
وتؤكد مواثيق الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر أن الإنسانية هي المبدأ الأول الذي تنبثق منه بقية المبادئ، وأن الهدف الأساسي يتمثل في منع المعاناة والتخفيف منها أينما وجدت، وحماية الحياة والكرامة الإنسانية، وترسيخ ثقافة السلام والتفاهم بين البشر.
ولعل أكثر ما يميز هذا المشهد أنه لم يحتج إلى كلمات أو شعارات. فبين ألسنة اللهب، اختار متطوع تونسي أن يمنح كائناً أنهكته الظروف جرعة ماء وشيئاً من الغذاء، في لقطة اختزلت معنى الرحمة، وأكدت أن العمل الإنساني الحقيقي لا يقاس بحجم الفعل، بل بما يتركه من أثر في النفوس.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار، قد تمر مثل هذه المواقف سريعاً، لكنها تظل شاهداً على أن الإنسانية لا تزال تجد من يحملها إلى الميدان، وأن المتطوع الحقيقي لا يميز بين من يستحق الرحمة، لأن الرحمة نفسها هي جوهر رسالته



