نشاطات

بين حرارة السماء وعجز البنية التحتية… هل أصبحت أزمة الكهرباء في تونس تهدد الحق في الحياة؟

الإعلامي التونسي المعز بن رجب

لم تعد أزمة انقطاع الكهرباء في تونس مجرد خلل تقني أو إجراء ظرفي لتخفيف الضغط على الشبكة الوطنية، بل تحولت خلال صيف 2026 إلى قضية تمس الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي. ففي الوقت الذي سجلت فيه عدة مناطق من الجنوب، بينها ولاية قبلي، درجات حرارة قاربت 49 درجة مئوية، وجد آلاف المواطنين أنفسهم لساعات طويلة دون كهرباء أو ماء، وسط تحذيرات من تداعيات صحية واقتصادية متزايدة.

في المستشفى المحلي بسوق الأحد، تجسدت الأزمة في مشهد يصعب نسيانه. أب وأم يهرعان إلى قسم الاستعجالي وهما يحملان رضيعهما، البالغ من العمر 22 يوماً، معتقدين أنه فارق الحياة. وبعد تدخل عاجل، اكتشف الفريق الطبي أن قلب الطفل لا يزال ينبض، لكنه كان في حالة إنهاك شديد نتيجة الجفاف والإجهاد الحراري. لم يكن المرض هو السبب، بل اجتماع الحرارة المرتفعة مع انقطاع الكهرباء والمياه، وهي معادلة أصبحت تتكرر خلال ذروة الصيف.

ولا تمثل هذه الحادثة حالة معزولة، فالأطباء يؤكدون أن الرضع وكبار السن ومرضى القلب والسكري والأمراض التنفسية هم الأكثر عرضة للخطر أثناء موجات الحر. كما أن انقطاع الكهرباء يهدد استمرارية عمل أجهزة التبريد، وحفظ الأدوية واللقاحات، ويؤثر في جاهزية المؤسسات الصحية، خاصة في المناطق الداخلية التي تعاني أصلاً من محدودية الإمكانيات.


اقتصادياً، لا تتوقف الخسائر عند أبواب المستشفيات. فالمخابز، ومحلات بيع اللحوم والألبان، والمقاهي، والمطاعم، والورشات الصناعية الصغيرة، ومحلات التبريد، تكبدت خسائر مباشرة بسبب تلف السلع، وتعطل أجهزة الإنتاج، وانخفاض المبيعات، واضطرار بعض أصحاب المؤسسات إلى اقتناء مولدات كهربائية مرتفعة التكلفة. وتؤكد منظمات مهنية أن كل ساعة انقطاع للكهرباء في فصل الصيف تنعكس مباشرة على دورة الإنتاج والتوزيع وعلى مداخيل آلاف الأسر.

إدارياً، تكشف الأزمة عن تحديات تتجاوز نقص الإنتاج الكهربائي، لتشمل إدارة الطلب على الطاقة، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، ووضع خطط استباقية لفترات الذروة. فالإدارة الحديثة للأزمات تقوم على التوقع والاستثمار المسبق، لا على الاكتفاء بإدارة الطوارئ بعد وقوعها، وهو ما يفرض تسريع مشاريع تحديث الشبكة الكهربائية، وتعزيز قدرات التخزين، والاعتماد على الحلول الذكية.

والمفارقة أن تونس تمتلك واحدة من أهم الثروات الطبيعية في المنطقة. إذ تسجل أغلب مناطق الجنوب أكثر من 300 يوم مشمس سنوياً، بمعدل إشعاع شمسي يتجاوز 3000 ساعة سنوياً في بعض المناطق، وهي من أعلى المعدلات في حوض البحر الأبيض المتوسط. ورغم ذلك، لا تزال مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء محدودة مقارنة بالإمكانات المتاحة، بينما يستهدف المخطط الشمسي التونسي رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 30% من إنتاج الكهرباء بحلول سنة 2030.

وتشير المعطيات إلى أن القدرة الكهربائية المركبة في تونس تناهز 5900 ميغاواط، بينما يعتمد إنتاج الكهرباء بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي، وهو ما يجعل المنظومة أكثر عرضة للضغط خلال فترات الاستهلاك القياسي. وقد اضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز خلال الأيام الأخيرة إلى اعتماد انقطاعات دورية لتجنب انهيار شامل للشبكة الوطنية مع الارتفاع غير المسبوق في الطلب على الكهرباء.

من منظور التسويق والاستثمار، لا ينبغي النظر إلى الطاقة الشمسية باعتبارها مشروعاً بيئياً فقط، بل كمنتج اقتصادي واستراتيجي قادر على خلق آلاف مواطن الشغل، واستقطاب المستثمرين، وخفض فاتورة الطاقة، وتحسين صورة تونس كوجهة للاستثمار الأخضر. فالعديد من الدول حولت الشمس إلى صناعة وطنية، بينما لا تزال تونس تمتلك كل المقومات الطبيعية لتصبح منصة إقليمية للطاقة النظيفة إذا توفرت سرعة التنفيذ ووضوح الرؤية.

ويبقى البعد الإنساني هو الأكثر إيلاماً. فالطفل الذي كاد يفقد حياته في سوق الأحد، والمريض الذي ينتظر جهازاً كهربائياً، والتاجر الذي يخسر بضاعته، والطبيب الذي يعمل وسط ظروف استثنائية… جميعهم يدفعون ثمن أزمة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت أزمة تخطيط وإدارة واستثمار. فالأرقام وحدها لا تعكس حجم المعاناة، لأن خلف كل انقطاع كهربائي قصة إنسان، وربما حياة بأكملها.

ويبقى السؤال الذي يطرحه التونسيون اليوم بإلحاح: إلى متى سيظل بلد يتمتع بأكثر من ثلاثمائة يوم مشمس في السنة يعيش تحت وطأة انقطاعات الكهرباء كلما ارتفعت درجات الحرارة؟ وهل تتحول شمس تونس، التي ينظر إليها الجميع باعتبارها ثروة وطنية، إلى رافعة حقيقية للتنمية والأمن الطاقي، أم تبقى مجرد طاقة مهدورة، فيما تستمر معاناة المواطنين والتجار والمؤسسات الصحية صيفاً بعد آخر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى